تازناخت ايت عتوا

الأربعاء,أيار 30, 2007


 تزيفيتان تودروف : الأنوار حركة تحرير

 ترجمة حسين عجة

 أدونيس.. المغرم بالحلاج ومهيار الدمشقي والمتنبي

    نقد التاريخ المقدّس عند هشام جعيط

محمد المزوغى

 

 

ـ السيرة النبوية. الوحي والقرآن والنبوّة:

في مقدمة كتابه "الوحي والقرآن والنبوّة" يقول المؤرخ التونسي هشام جعيط بأنه يرغب في إعادة كتابة السيرة النبوية بطريقة علمية مغايرة لكل السّير التي كُتبت قديما أو حديثا. فهو يَعِدُ القارئ العربي، أو الغربي اللائكي الذي يبحث عن عمل تاريخي مغاير وبديل لتواريخ السيرة المكرّرة دون ملل عبر الأجيال، بأنه سيطّلع هذه المرّة على تاريخ يتصف بالموضوعية والدقة العلمية. جعيط يقدّم ضماناته المنهجية بهذه العبارات: « هذا الكتاب وما سيتبعه علميّ وليس بالدراسة الفلسفية، ويَعتبر بالتالي كمعطى ما هو لبّ الدين الإسلامي: الوحي، الإيمان، البعث. وسواء كان المؤرّخ ـ المسلم وغير المسلم ـ مؤمنا أو خارجا عن الإيمان فمنهجه الصحيح هو هذا، أي اعتبار المعطى كمعطى ومحاولة تحليله لا أكثر [1]»، ثم يضيف، مدعّما توجهه الفكري الجديد: « وقد حاولنا في هذا الكتاب الاعتماد على المعرفة واستنباط منهج عقلاني ـ تفهّمي لم نجده لا عند المسلمين القدامى من أهل السير والتاريخ والحديث ولا عند المسلمين المعاصرين. وأكثر من ذلك، إن المستشرقين، على سعة اطّلاعهم، لم يأتوا ببحث يذكر في هذا الميدان. وتبقى دراساتهم هزيلة، مقارنة بفحول الفكر والتاريخ في الغرب … وعلى كلّ، فالتعريف ـ بوجه المقارنة ـ بالحضارات والأديان الأخرى، إنما أرجو منه خروج العرب والمسلمين من تقوقعهم وضيق أفقهم الفكري».

هذا من حيث المنهج أما من حيث الأسلوب فإنه يَعِد القارئ باتّباع " الدّقة وجزالة الخطاب" ويؤكد على هذا النهج غير ما مرّة قائلا: « ابتعدتُ عن الأسلوب الوهّاج المَشوب دوما بالضبابية [2]». لقد جعل المؤرخ التونسي من مثاله الأعلى ونموذجه، في أسلوب الكتابة، نص القرآن، والسبب الأساسي أنّ القرآن هو النص الوحيد الذي: « جمع بين دقّة التعبير والكلمة المثيرة والعمق الكوسمي والوضوح الكامل البين. وهذا من أهمّ خصائصه».

لا يَخفى على أحد بأن هذه القواعد المنهجية في كتابة التاريخ والأسلوب النثري المتبع تُعدّ فضائل نظرية نادرة في وقتنا الحالي، لأنا نرى ونعاين المشهد المزري الذي تخضع له كتابات السيرة وكيف آلت، في أيدي أناس فاقدين لشروط البحث العلمي الحديث، إلى سَيل من الخطابة وضحالة في المضمون ليس كمثلها ضحالة.

بالإضافة إلى القرآن كمرجع أوّلي من حيث الأسلوب والإثارة والعمق، فإن جعيط يستثمر آخر ما توصلت إليه أدبيات التاريخ المقارن للأديان ومناهج التأويل الحديث. ويبدو، إن لم أخطئ، أن غرضه يكمن أساسا في تحصين أعماله من أي منعرج إيماني قد يؤدي به إلى التنازل أمام أطروحات الإيديولوجيا الدينية التبريرية. وهذه العملية الوقائية لها أبعاد معرفية إيجابية لأنها تفتح باب البحث العلمي وتشجّع على التحرّي وتقصي الأسباب الموضوعية للأحداث التاريخية.

النقطة الأساسية التي يحوم حولها النزاع بين المثقفين العلمانيين، من مؤرخين وفلاسفة، وبين جميع أطياف الكتاب المسلمين، تتلخص في الموقف المنهجي الذي يختاره الباحث من القرآن والنبوّة: موقف تقديسي أو دنيوي. الباحث مُجبر أن يموقع عمله ويختار منهجه بدقة: إمّا أن يتخذ موقفا علميا واحدا ومستقرّا لا يحيد عنه ويجعل بذلك من القرآن وثيقة تحمل معطيات وقائعية حدثت في فترة زمنية معينة وفي رقعة جغرافية محدّدة وبالتالي فهو، ككل الوثائق الإنسانية المكتوبة، يخضع لقوانين التأويل والتحليل الفيلولوجي والنقد التاريخي، وإمّا أن يتعامل مع القرآن كنصّ مقدّس ومنزل من الله حرفا ومضمونا؛ كلام الله السرمدي الذي لا يخضع للتغيّر والتبديل. الموقف الأول يُنتج معرفة علمية ومحررة من أسر التراث اللاعقلاني والثاني يقف عند حدّ التبرير، مكرّسا ذهنية التقوقع والأسطورة، وغير عابئ بشروط التقدم العلمي. لكن محاولة الأخذ بالموقفين والجمع بينهما، هي الأخطر على المفكر، فالتأرجح بين الموقفين قد يُولّد نوعا من الالتباس وقد يخلق توترا بين الاعتقاد الإيماني وبين روح العلم، وهما الضدّان اللذان لا يجتمعان أبدا.

على كل حال مشروع جعيط يبدو أنه مشروع جديد في مجال الدراسات العربية الإسلامية، ومنهجه العلمي المسنود بتاريخ الأديان وبالعلوم الإنسانية الغربية، ـ لا بتواريخ المستشرقين ـ، يُثلج صدر الباحث المجتهد ويَنزع عنه حجاب أفكاره المسبقة. وهو عمل خطير بمعنى ما لأنه قد يؤدّي إلى مراجعة شاملة للتاريخ الإسلامي وبالأخص لتاريخ المدوّنة القرآنية والبعثة النبوّية، وإلى هَدمٍ لمقدّسات راسخة وتَعريةٍ لخلفياتها الأسطورية وزيفها التاريخي. وليس للقارئ العلماني إلاّ أن يُثني على هذا التوجّه الفكري الجديد وأن يعتبره مثالا يُحتذى به، وبرهانا مُفنّدا للنقاد الغربيين ومن جرى مجراهم، مِن أولئك الذين يدّعون أن كُتاب السيرة العرب لا يملكون أيّ حسّ نقدي، ويجهلون أبسط قواعد الموضوعية العلمية غير ملمّين بالعلوم الإنسانية، من تاريخ أديان، وفيلولوجيا، وأديان مقارنة، وفينومنولوجيا. وبحقّ عُدت أعمالهم غير جدّية بالمرّة ولا أحد من المستشرقين استشهد بها أو أخذها بعين الاعتبار.

لكن نشوة القارئ، حين الغوص في نصّ جعيّط، لها حدود لأن موضوعية الكاتب لها حدود أو بالأحرى وضع لها هو نفسه حدودا. لقد عنون الفصل الأول من كتابه هكذا : " القرآن ككتاب مقدّس ". وهذا العنوان بمفرده يثير في ذهنية القارئ العلماني شيئا من الاحتراز؛ لأن الرّجل حول فكرة أن القرآن كتاب مقدّس، والتي بدأ بها تحاليله وتخلّلت كل أطروحاته، لا يتزحزح أبدا، ولا يعتبرها فكرة خاضعة لأية مساومة أو تنازل. فهو يتعجّب كيف لم يصل المستشرقون (يستثني البعض منهم) إلى قناعته تلك: « لكني أعجبُ من بعض المستشرقين ـ وليس كلهم ـ الذين ليسوا بمسلمين، وبالتالي نظروا إلى الإسلام والقرآن نظرة خارجية ومجرّدة من كلّ إيمان فاعتبروه أثرا من محمد [3]». هذا أمر يُنكّل بعقولنا أشد التنكيل قبل أن يُنكّل بالمستشرقين الصابئين. فالمؤرخ الحديث يعيب على العلماء الغربيين أشياء ليست من مشمولاتهم ولا تدخل في تكوين أسس التفكير العلمي، أعني فقدانهم الإيمان بالوحي والمُعجزات وتعالي القرآن، التي هي في الطرف النقيض من ذهنيتهم الوضعية. الاعتراض الوحيد ضد هؤلاء المستشرقين "الكافرين" يقدّمه جعيط هكذا: « من خلال هذه النظرة لم يشعروا [المستشرقون] بسعة علم النبي ومقدرته الفذة في معرفة التراث الديني واللغات العبرية والسريانية واليونانية …إلخ».

أنا أحتكم إلى الحسّ العقلاني للقارئ وأتساءل هل أن اعتراضا من هذا القبيل يحلّ المشكلة ويُبدّد شكوك العلماء من أن القرآن هو من صنع رجل واحد؟ وهب أننا سلّمنا باعتراض جعيط، واعتبرناها فعلا أمورا مستحيلة على شخص واحد، ألا تُتيح لنا هذه المحالات تَغيير وجهة نظرنا، والبحث في جهة أخرى، أي اعتماد أطروحة بعض المستشرقين الذين اعتبروا القرآن عملا جماعيا متأخرا، فيه استدراكات وحذف وإضافات، وأنه لم ير النور على حالته الراهنة إلاّ في القرن الثاني للهجرة؟ لكن هذا الرأي إن لم يكن من باب الكُفر والهرطقة، فهو بالنسبة لجعيّط من الخيال والجهل بمكان: « ولستُ من الذين يعتقدون أن النص القرآني يتطوّر مع الزمان والظروف. فالأساسي فيه لا يتغيّر من الأوّل إلى الآخر [4]». موقف كلاسيكي لكل المؤمنين، وهو من باب المنافحة التبريرية وبالتالي غير قادر على الإجابة الضافية أو حلّ كل المعضلات المطروحة. لكن جعيّط يتعجّب من المستشرقين الذين لا يؤمنون بما يؤمن به هو، الشيء الذي يدعونا فعلا إلى التوجّس منه، لأن المؤرّخ بما هو كذلك ـ وهذا أمر مبدئي لا جدال فيه ـ لا يعترف بالألوهية والمقدّس والتعالي، وهي ليست بالفرضيات الداخلة في مشمولات علمه وخارجة تماما عن مناهجه وأهدافه. المؤرخ الجدّي يترك هذه المعتقدات لصاحب اللاهوت والفقه، أمّا التاريخ والفلسفة وعلم الأديان المقارنة فلا شأن لها بذلك.

القرآن، كخطاب ورسالة دينية، مربوط بالوحي. ما الوحي؟ إن رجل العلم الذي يبغي اكتناه كلّ شيء بعقله لا يركن إلى التفسيرات الماورائية وإلى العلل الغيبية، ولا هو مستعدّ أن يصادر ملكاته الذهنية لحساب الأسطورة: كلّ شيء يمكن تحليله وفهمه عن طريق بسيط العقل، وما من شيء يخرج عن سلطانه. المؤرخ جعيّط، لا يرى هذا الرأي، فمنذ تناوله إشكالية الوحي، التي وَعَد التكلّم فيها بموضوعية وروح علمية، يُقلع عن إعمال آلة العقل صادّا أمامها أيّ منفذ وذلك في تناقض مع ما وعد به القارئ وأعلنه مسبقا بشيء من التباهي. الوحي بالنسبة إليه هو: « العملية التي تمّ بها التبليغ إلى الرسول والتجربة الفريدة التي عاشها. وليس همّنا أن نستكنه هذا بالعقل فهو أمر مستحيل ولا حتى أن نسوق نظرية فلسفية حول الوحي في الإسلام [5]».

لا تاريخ الأديان ولا الفلسفة ولا علم النفس ولا العلوم الإنسانية الأخرى، من علم اجتماع وأنثروبولوجيا، ولا العقل ومبادؤه بمقدورها استكناه حقيقة الوحي، لأنه أمر متعال وفريد من نوعه، وغير قابل للخضوع إلى أي نوع من أنواع المعرفة الإنسانية. السؤال إذن: ماذا تبَقى مِن كلّ تلك العلوم الحديثة؟ وما دور العقل في اكتناه حقائق الأمور؟ لا شيء، فالطريق إلى الوحي مسدود من الأساس. وقد يكون هذا المنحى الذهني الذي اتبعه المؤرخ، وصدّ به الأبواب أمام العقل، سببا لعدم حمل كلامه على محمل الجدّ وعدم الثقة بما رواه عن منهجه الذي أفصح عنه بهذه العبارات: « سَيتّجه مجهودنا إلى مقاربة تاريخية مُعتَمدة على النصوص وعلى المقارنة، وإلى مقاربة ظواهيرية [6]». ونحن نتساءل مرة أخرى: هل أنّ المقاربة التاريخية للوحي وللقرآن والاعتماد على النصوص واستخدام الظواهيرية هي أمور عقلية أم لا؟ إن كانت كذلك، فإن القول باستحالة إدراك الوحي بالعقل، هو تناقض صريح مع المقدّمات. أما إن كان هذا العمل لا يعتمد على العقل فما المغزى من إدخال تلك العلوم ومناهجها والتقيّد بالمعطيات العينية؟ وما الجدّة التي فاق بها كتّاب السيرة القدامى والمحدثين؟

كل المسلمين المتشبثين بمعتقدهم من أولئك الذين لا يملكون حسّا نقديا ولا وعيا بتاريخ الأديان وبمبادئه اعتبروا الرسالة المحمّدية خاتمة لسيرورة وحي إلهي استمرّ منذ بدء الخليقة، وكتابه هو كلام الله الأزلي المهيمن على الكتب المقدسة الأخرى، تلك الكتب التي طالها التحريف وفقدت بالتالي من مصداقيتها. هذه الأطروحات مبثوثة في مؤلفات الإسلاميين على جميع مشاربهم ومنذ القديم حتى يومنا هذا، وهي في جوهرها تهجّم على الأديان الأخرى وعلى كُتبها وتعاليمها ومؤسّسيها، ليس من موقع عقلاني نقدي، بل من موقع نقيض، أي إيماني ديني. وقد نبحث بفارغ الصبر عن تواريخ مغايرة وبديلة في الأدبيات الإسلامية عند العرب القدامى والمعاصرين ولكننا لا نجد شيئا منها. والكاتب المؤرّخ جعيّط، بعد أن وعد بتاريخ جديد، ها هو يعود ويَنهل من نفس تلك الأطروحات التي ادّعى تجاوزها، بل هو، في بعض المواضع، يُكرّرها دون تحريف.

بخصوص الوحي، يُحيلنا المؤرّخ إلى كتاب له صدر منذ سنوات عديدة بعنوان "الشخصيّة العربية الإسلامية والمصير العربي [7] " حيث تطرّق لتلك الظاهرة من منظور فلسفي. ويبدو أن الموضع من الكتاب المذكور الذي تناول فيه ذاك الموضوع جاء تحت عنوان "الإصلاح والتجديد في الدين"، الفصل الثاني بعنوان "تجديد الرؤية في الإيمان" والذي يحتوي على أربع فقرات: الأولى بعنوان تاريخية الدين، الثانية: التفسير الفلسفي للإسلام، الثالثة: قراءة ميتافيزيقية للقرآن، الرّابعة: روح الإسلام ومصير مؤسسه.

تجديد الرؤية في الإيمان، هو فصل يَعجّ بالشواهد الفلسفية (من هيجل إلى ميرلوبونتي) على الرغم من أنها جاءت على شكل تحليل شبه فلسفي لأنها ممزوجة بكلّ عناصر الوجد الدينية. وهذه الملاحظة مشروعة لأن الرجل لم يدّع في يوم ما بأنه فيلسوف، وما عدا بعض الاستشهادات المتفرّقة، فإن أقواله جاءت على شكل خُطبة واعظ: فيها كلام خطابي رنّان يوافقه عليه، سواء من جهة الأسلوب أو المحتوى، أي إسلامي، معتدل أو متطرّف: « ولذلك فإن ظهور الرسالة هو أكبر عنصر تاريخي في الإسلام. إن الإيمان الذي هو ثقة يصبح من خلال ذلك ثقة في الرسول. وهو نفسه ليس بالإنسان الزمني وحسب، المولود بمكّة حوالي 570 والمتوفى بالمدينة سنة 632 . بل أصبح ما أرادته أجيال من المسلمين أن يكون، أي كتلة هائلة من المثل والحبّ والوفاء. إنه يزن بوزن كلّ تلك الدّموع والاندفاعات. وقد نادى باسمه كثير ممّن كانوا في النزع الأخير من كائنات بشرية بسيطة طيبة ذكروه وهم على شفة الموت. إن التاريخ يثقل بكلّ وزن البشري وبكلّ قيمته، شخص الرّسول وكلامه. لقد كان الدين روح العالم والإسلام وروح الأمّة الإسلامية، وهو ما زال قوّة حيّة ملموسة ملتصقة حميما بالمجتمع الإسلامي تخترقه من طرف إلى آخر [8] ».

ثمّة استدراك وتراجع مُحتشم، في تضارب واضح مع مقدّماته، وهناك أقوال لا تمُتّ بصلة إلى كلامه السابق بل تنقضها جملة وتفصيلا: « لكن بما أن الدين مرتبط بالماضي، فإن عناصر كثيرة يتضمّنها أو يتشكّل منها لا يقبلها العقل إطلاقا، ولا الفكر وحتى ذهنية الإنسان الحديث. فقد أبرز العلم والفلسفة والنقد التاريخي بديهيات تهاجم النواة الدينية ذاتها، أو على الأقلّ كساءها الأسطوري [9]». هشام جعيط هو رجل علم، ويبدو أنه لائكي في توجّهه السياسي، ليس هو من معتنقي الدين بالمعنى الإيماني البحت للكلمة [10]؛ يَتغبّن على حالة العالم العربي بالمقارنة مع الكنيسة الكاثوليكية التي استطاعت بجدّ أن تصمد أمام النقد العقلاني للدّين الذي اجتاح أوروبا منذ القرن الثامن عشر، ويشيد بمقدرتها على استعمال أدوات الفلسفة والعلم للدّفاع عن حقيقتها والاندماج في العصر الحديث. لا شيء من هذا القبيل حدث في العالم الإسلامي: « ما أعظمه من سُبات ومن عدم أو يكاد في وضع الإسلام، بعد الصّمت المفاجئ للحركة الإصلاحية وحركة التحديث [11] ». المحالات والمعضلات التي تواجه الفكر الدّيني، بما فيه الإسلام، جمّة والكاتب يطرحها بكلّ موضوعية وبروح نقديّة متحرّرة مُلخّصا إيّاها في الجانب الميثولوجي المكوِّن للوعي الديني الذي لا يقبله العقل ويتضارب مع مبادئ العلم الحديث [12]. لكن هذا العَرض الموضوعي (لا أدري هل أن الكاتب يتبنّى الشكوك التي أوردها أم لا) يَجد له صدّا أو كبحا قويّا عندما ينتهي إلى نتائجه القصوى، أي الشكّ في مصداقية الأديان بما فيها الإسلام وفي مدى قدرتها على مسايرة العصر. لو أن الرّجل واصل مسار شكوكه وتمسّك بمبادئ العقل الوضعي لأخلص إلى الريبية والإلحاد في الدين. ولكن جعيّط، على الرغم من أنه مؤرّخ متشبّع بتعاليم الوضعية، كبَح جماح اعتراضاته وفسخها أمام اعتبارات شخصيّة وقناعات إيمانية ثاوية في تفكيره منذ سنين: « لكن شك العقل النقدي الموحِّد المُسوّي لكلّ الأديان يُسبّب حقا دوارا. ذلك أن مظهرا رئيسيا من حياة البشرية قاطبة يكون قد شُيّد على كذب أو افتراء، أو على وهم في نظر الناس الأكثر تفهّما. ويزيد التناقض بين التاريخ والإنسان حدّة، لما للدين ولغاياته السامية من دور تاريخي عظيم! [13]».

لكن، بعيدا عن الوجد الإيماني، يمكن لأي مفكر علماني أن يُذكّر جعيط بأن منطق العقل النقدي الذي يُولّد، حسب زعمه، دُوارا لم يُثن المفكرين العرب من التشبّث بتلك الأطروحة التي ترى أن الأديان متكافئة وأن عقائد البشرية هي فعلا ركام من الأكاذيب والأوهام. لم يُصِبهم أي دوار، ولم يختلجهم أي غثيان، بل إنهم قدّموا الشكوك والمُعضلات وأقاموا البراهين على أقوالهم. والغريب في الأمر كيف تغاضى جعيط عن هذه الحقائق التي اخترقت تراث المفكرين العرب منذ القديم. كان عليه أن يفتح اللزوميات للمعرّي كي يعثر على ضالته: القول بوجود إله خالق حكيم "معناه ليس لنا عقول"؛ الألوهية افتراض ناتج عن الجهل بقوانين الكون؛ مُبتدعو الأديان كذابون؛ التفكّر في الخلق يؤدي إلى نكران الألوهية والخروج عن الدين؛ الأساطير الإسلامية متأتية من كُتب اليهود؛ القرآن يحتوي على أخبار يُكذبها الواقع؛ الأديان تسبّب العداوات والحروب…إلخ. كل هذه الآراء التنويرية (قبل الكلمة "ante litteram") مبثوثة في كتب الرازي الطبيب، وفي مؤلفات المفكرين العقلانيين العرب أو ما تبقى من آثارهم [14]. انظر كيف يحتجّ الصاحب بن عبّاد، مبينا تناقض العدل الإلهي مع حرية الإنسان، والتضارب الداخلي في الأوامر الإلهية؛ كلّ هذه الأفكار الهرطقية أوردها المتكلّم الأشعري فخر الدين الرازي في كتابه "المطالب العالية من العلم الإلهي": « قال الصاحب بن عباد في فصل له في هذا الباب كيف يأمر بالإيمان وقد مَنَعه عنه، ويَنهاه عن الكفر وقد جَبَله عليه؟ وكيف يصرف عن الإيمان ثم يقول ﴿أنّى يُصرَفون﴾؟ [غافر: 69] ويَخلق فيهم الإفك، ثم يقول: ﴿فأنَّى تُؤفَكُون﴾ [يونس: 34] وأنشأ فيهم الكفر ثم يقول ﴿لِمَ تَكفُرون﴾ [آل عمران: 79]، وخلق فيهم لبس الحق بالباطل ثم يقول: ­﴿ لِمَ تلبسون الحق بالباطل﴾؟ [آل عمران: 71] وصَدّهم عن السبيل ثم يقول: ﴿لِم تَصدّون عن سبيل الله﴾ [آل عمران: 99] وحال بينهم وبين الإيمان. فقال: ﴿وماذا عليهم لو آمَنُوا﴾؟ [النساء: 39] وذهب بهم عن الرشد، ثم قال ﴿فأين تذهبون﴾ [التكوير: 26] وأضلّهم عن الدين حتى أعرضوا، ثم قال: ﴿فما لَهُم عن التّذكِرَة مُعرِضِين﴾ [المدثر: 49] [15

أودّ أن أعلن للقارئ بأن التناقضات والتنازلات المنهجية التي اخترقت الجزء الأول من كتاب "في السيرة النبوية"، أعني "الوحي والقرآن والنبوّة" لها مبرراتها الإيديولوجية، وخصوصا لها مبرراتها العملية المباشرة. لن أفصح عنها الآن، سأعرضها في خاتمة هذه الفقرة.

في ما يخص موضوع الوحي، جعيط يُردّد نفس مقولات التراث الإسلامي والاختلاف بينهما هو في التسمية فقط: لقد غيّر كلمة "اللوح المحفوظ" بكلمة "الأركيتيب (Archétype) الأصلي الإلهي" [16]؛ القرآن هو كتاب مقدّس ولا يمكن الشكّ في هذه الحقيقة أبدا [17]؛ كل كتب الأديان الأخرى (العهد القديم، العهد الجديد، صحف الزارادشتية والبوذية والهندوسية ) لا ترقى إلى مستوى القرآن، سواء في المضمون أو في الشكل، وبالتالي فالرسالة المحمدية تتميز عنها جميعا، بل تتسامى بشكل لا مثيل له [18]. النتيجة المحققة هي أن « الإسلام … قام بتحويل للاتجاه وأكد على الرجوع إلى الجذور. ففيما المسيح تجسيد لله حسب الكنيسة، القرآن أساسي في الإسلام إذ به أُقيمت من جديد العلاقة بين الله والإنسان. فما محمد إلاّ إنسان ميّت كالآخرين، غير مكتسب لأية صفة إلهية ولا للقدرة على تعطيل مسار سنة الله، أي الطبيعة بأية معجزة في العالم. ولم يؤهل لينقذ الإنسانية من وصمة أية خطيئة أولى، لكن الله أرسله بشيرا ونذيرا عن طريق الوحي القرآني. وبذلك يلعب الوحي ومحتواه القرآن، دورا رئيسيا في هذا الطور من التوحيد الموحى به تماما بدءا من التكشف الأولي، وبذلك فهو الكتاب المقدس بامتياز [19]».

هذا الكلام لا يستقيم رأسا، إنه متناقض ومجانب لأبسط معايير البحث التاريخي، وهو في جوهره ليس إلاّ ضربا للعقل في الصّميم. وليس هكذا فحسب، فعلا، جعيط لم يَكتف بهذا القدر، بل إنه، كما فعل في كتابه "الفتنة الكبرى"، تَهجّم على الأديان الأخرى، بحيث أنه اختار منذ البداية موقعه العقائدي وإطاره المرجعي، أعني الإسلام. ولا يُغني عنه شيئا القول بأن محمدا هو إنسان ميّت كالآخرين، وبأنه لم يكن راغبا في إنقاذ الإنسانية من الخطيئة الأصلية؛ هذا لا يُخرجه من إطار الأسطورة واللاعقل. فالإنسانية تتفسخ إن افترضنا وجود إنسان واحد في هذا العالم يُوحَى إليه من طرف إله ما، وأنّ كتابه، كما يزعم جعيط، هو الكتاب المقدس بامتياز. أما القول بأن النبي لم يتمّ تأييده بأية معجزة خارقة للطبيعة، فهذا نكران للبداهة، أعني بداهة الإسلاميين الذين ركّزوا في جميع كتاباتهم على أن الرسول أيّده الله بالعديد من المعجزات. ولكن في حقيقة الأمر، جعيّط نسي بأن القرآن هو معجزة محمد الظاهرة، التي تحدّى بها الناس أجمعين. كيف يقول بأن محمدا لم يؤيَّد بالمعجزات وهو الذي زعم بأن مرجعه المفضل هو القرآن؟ وإذا أردنا الدقة، جعيط يعترف بهذه المعجزة الأخيرة حتى وإن لم يُسمّها باسمها، أو عمل على صياغتها بلغة حديثة، قائلا صراحة بأن المصداقية التاريخية للقرآن مبنية على العقلانية وعلى « ابتعاده عن كل عنصر لاعقلاني بخصوص النبي بالذات»، وأن القرآن « بخاصة وتميّزا عن الرسالات الأخرى يتكلّم بلغة العقل ويستنطق العالم للبرهنة على وجود الخالق المنظّم له. وهو يحاول الإقناع ولا نرى شيئا من هذا في الأديان القديمة الأخرى التي تكتفي بنقل الرؤى والوحي [20]».

نعود ونذكّر القارئ بالضمانات المنهجية التي صدّر بها جعيّط عمله، لقد وَعَد القراء بأنه سيعتبر المُعطى كمعطى ويحاول تحليله لا أكثر [21]، ولكن هذه الضمانات لم تُطبَّق على أرض الواقع، ولم تمنعه، على كل حال، من تعاطي رياضته الروحية الدّائبة، أعني إقامة التفاضل الهرمي والمقارنات الاختزالية بين الإسلام وكتابه من جهة أولى، والأديان الأخرى وكتبها من جهة ثانية (اليهودية والمسيحية والبوذية والزردشتية والهندوسية) [22]. نحن لا نتَهجّم على أي دين ولا نُدافع عن أيّ منها ضد الآخر، لأن مَرجعنا واحد ومساوٍ لنفسه دائما، وهو العقل. جعيط زعم بأن القرآن يختلف عن كل الكتب الدينية الأخرى، بالمعنى الإيجابي للكلمة، وإن اعترف بالتناقضات، التي تخترقه، فهو لا ليحطّ من قيمته، لأن التناقض، على حد زعمه، ضروري في الأديان كافة، وبه تستطيع أن تُجيب عن كل التساؤلات وتتّجه إلى جميع الأفراد بمختلف ذهنياتهم وحاجياتهم [23].

لقد اختزل المسيحية وديناميكيتها التاريخية في مجرّد «عملية إنقاذ للدولة [24]»، وانجرّت، عن عملية الإنقاذ هذه، نتائج سلبية مثل: « حَذفُ الفلسفة اليونانية والعلم اليوناني والعقل اليوناني [25]»، وبالتالي لم يبق إلاّ التعصّب، وتَفشّت روح اللاتسامح في الامبراطورية التي جعلت من تلك الديانة ايديولوجيتها الرسمية.

لا نختلف معه في هذه النقطة، والمُطّلع على تاريخ المسيحية يدرك هذه الحقيقة، وهو أن دعواتها المتكررة في البداية للتسامح ومحاولة تبرير وجودها كديانة، تفسّخت وانقلبت إلى ضدها حينما قَويَت شوكتها وكثر أتباعها. انقلبت المواقف من النقيض إلى النقيض وأصبح الأقوياء، سابقا، هم الذين يدعون إلى التسامح والتعددية، لكن الدين الجديد لا يقبل إلاّ واحدا من الخيارين: إما الاعتناق أو الاقصاء. انظر إلى الحوار اللامتكافئ والمأساوي الذي دار، في القرن الرابع، بين السيناتور الروماني (Symmachus) وبين الأسقف المسيحي (Ambrosius). سيماخوس الذي بقي على دين آبائه، يقول للأمبروزيوس ما معناه بأن المَعبُود واحد ولكن طريقة العبادة تختلف من مكان إلى مكان ومن شعب لآخر، وبالتالي ليس من الحصافة ولا من باب التقوى أن تفرض، على من ليس هو بمسيحي، التخلي عن دينه [26] . « نحن نتأمل نفس النجوم، تُظلّنا نفس السماء، عالم واحد يُقلّنا جميعا: ما أهمية الطريقة التي نبحث بها عن الحق؟ لا يمكن أن نُدرك سِرّا عظيما [كَسِرّ الألوهية] باتباع نهج واحد [27]». الجواب العنيف للمؤمن أمبروزيوس مرتقَب جدّا: المسيحية هي دين أرقى من الوثنية لأنها متطوّرة على سابقتها وكلّ ما هو لاحق أفضل من السابق (omnia postea in melius profecerunt)؛ الوثنية شاخت وهرمت (عتيقة، vetus)، وحسب ديناميكية ثاوية في التاريخ الخلاصي يجب أن تترك مكانها للديانة اليافعة الشابة (جديدة، nova). الأسقف لا يأبه بمعاناة خصمه، الذي اعترض عليه قائلا بأنها « مُتأخرة ومُهينة محاولة إصلاح الشيخوخة (sera tamen et contumeliosa est emendatio senectutis [28]»، فهو لا يشعر بالمهانة ولا بالخجل (لا يحمرّ وجهي؛ non erubesco) من الدخول مع الناس في الدين الجديد. الموقف الريبي الذي جعل من السيناتور الروماني حصيفا ومتريثا في أمور الألوهية يتقشع عند الأسقف المسيحي لأنه مقتنع من أن دينه هو الأصحّ وإلهه أجاب عن كل شيء: « سرّ السماء قد علّمنيه الله نفسه، الذي خلقكم، وليس الإنسان، الذي يجهل حتى نفسه. إلى من أتوجه للإيمان بالله، إن لم يكن لله؟ كيف أستطيع أن أومن بكم، وأنتم تعترفون بأنكم تجهلون الذي تعبدونه؟ أنت تقول " لا يمكن أن نُدرك سِرّا عظيما باتباع نهج واحد ". ما تجهلونه أنتم، نحن نعلمه من كلام الله. وما تفترضونه أنتم، معروف عندنا من طرف الحكمة والحقيقة الإلهية [29]». الإله الحقيقي الأوحد (unusquisque deum verum) هو الإله المسيحي (est deum Christianorum) لأن آلهة الوثنيين، كما يقول الكتاب المقدس، هم شياطين، وبالتالي بدون الإيمان به «لا يوجد خلاص أبدا».

قلتُ بأنني أتفق مع جعيط من هذه الناحية، ولا أجادله في هذه النقطة، بل إنني دعمت رأيه بالشواهد التاريخية، ولكنني أختلف معه في إلصاقها بدين واحد، أو في محاولة استثناء دين آخر من دائرة التعصّب والإقصاء. وكأن التعصب مُحتكَر في دين واحد، وكأنه مُحتّم فقط على المسيحية: التاريخ وحده يشهد بأن اللاتسامح هو السّمة المميزة لكل الأديان وعلى رأسها الأديان التوحيدية، ومَن يزعم خلاف ذلك عليه أن يُقدّم المعطيات التاريخية، والبراهين اليقينية والحُجج الدامغة. وإذا أردنا الدقة فإن جعيط نفسه يقودنا إلى استنتاجنا من أن الأديان التوحيدية موسومة بالتعصب ولا تتوانى من استخدام القوة: الدين المحمدي، حسب جعيّط، ابتدأ وعرّف نفسه بالقوّة، فكَوّن في البداية «جماعة مسلحة»، ثم نواة دولة [30]. لقد عاد وكرّر ما قاله في "الفتنة الكبرى" من خلال الصفحات التي ذكر فيها بروز وتطوّر الدعوة المحمدية: « فالسياسة بكل ما تعنيه من ديبلوماسية وسلطة وحرب فمُصالحة هي التي أكسبته النجاح والاعتراف به في الحجاز [31]». ماذا تَرك محمد لأتباعه؟ جعيط ينبؤنا بذلك: « هذه الأداة الدنيوية بقيت تشتغل بعده عبر إطفاء الردّة ثم انطلاقة الفتوحات [32]».

لا أودّ أن أتجنى على المؤرخ التونسي بأي حال من الأحوال، وأنا أعرض كلامه كما جاء في كُتبه دون تحوير، ثم إنني لا أعتبر نقدي له من باب الاخلال بمبادئ النقاش العلمي. أختلف معه في قوله بأن الوحي موجود، وفي تركيزه عليه وكأنه معطى تاريخي مفروغ منه وذو قيمة فذة. لقد أصبح الوحي عند جعيط خاضعا لديناميكية خاصة تضمن وجوده ومصداقيته عبر التاريخ: « فالوحي له ضمان في تاريخيّة الروح التي ليست كأية تاريخية [33]». وهذه التاريخيّة الفريدة من نوعها والخاصة بدُنيا التوحيد، أعني الديانات التوحيدية، تعجّ بالأنبياء، الذين هم، بالنسبة للفيلسوف والمؤرخ الوضعي، كائنات خرافية أو أسطورية حتى؛ لكن في نظر جعيط هم أناس يملكون وجودا صميميا واقعيا لدرجة أنه حسَبَ المُدّة الزمنية التي تفصل بينهم « مرّت أربعة قرون بين إبراهيم وموسى، وأكثر من عشرة قرون بين موسى وعيسى، وستة قرون بين عيسى ومحمّد [34]». أخيرا، وطبقا لمنطق التطوّر الروحي، لا بُدّ للوحي من أن يتوقّف في نقطة ما، وأن يَصل إلى منتهاه: إنها أسطورة ما يُسمى بـ"ختم الوحي" التي تعود الآن مُلحفة بلباس شبه تاريخي جديد. طبعا خَتمُ الوحي لا يمكن أن يَتمظهر إلاّ في محمد نبي الإسلام: « وكأن القرآن يُلمّح إلى ضرورة مبعث جديد وأن الوقت قد حان لبزوغ نبوّة محمد طوال هذه المدة الزمنية. فالروح تتطلّب مخاضا طويلا وسندا في الماضي يَعتمد عليه ويَحصل تجاوزه [35]».

أقول: الوحي لا معنى له، والمؤرخ لا يُنتج شيئا إن دَرَسه، وخصوصا إن درَسه على طريقة جعيّط، أي بجَعلِه حالة استثنائية (أمرا خارقا للطبيعة) اكتَمَل تمظهره في لحظة تاريخية ما وفي شخصية مُعينة. الاعتراف بالوحي يعني الاعتراف بسلسلة من الكيانات الغيبية وتَصدِيق ما يَدّعيه البعض من الناس عن تجاربهم الداخلية، وهذا ما يتنافى مع أبسط قواعد كتابة التاريخ. الفلاسفة والمؤرخون والعلماء غير مستعدّين لتصديق هذه الأمور وإلاّ فإنهم سيتنازلون عن علومهم لصالح الأوهام. لكن هؤلاء الرجال الأسطوريين أو الواقعيين بالكاد، أعني الأنبياء، يَعلون على حتميات الطبيعة ويُجَرّبون أشياء لا يُدركها أي إنسان سويّ، ومع ذلك، فهم، دائما حسب جعيط، جُعلوا لتربية الإنسانية التي سَبق لهم وأن تجاوزوها. يقول المؤرخ ـ وأنا أوردُ كلامه بشيء من الحذر لأنه غامض، فالرجل غير معتاد على الكتابة مباشرة باللغة العربية، كان يكتبُ دائما مثل محمد أركون بالفرنسية ثم تُترجم أعماله للعربية ـ يقول إن مؤسسي الأديان، موسى وعيسى ومحمد « أعطوا عقلهم وحواسهم دون فقدانها واقتربوا من الجنون دون الوقوع فيه [36]». كيف عَرف ذلك؟ كيف أدرَك هذه الحقيقة؟ ليس بالعقل، فالعقل مرفوض من الأساس، (أو، حسب تناقضات جعيط، مَرّة منبوذ وأخرى مَقبول)، هذا على الرغم من أنه وعد، في بداية كتابه، باستخدام أحدث ما توصلت إليه العلوم العقلية. لكن وضع الأنبياء هو من التفرّد إلى درجة أنه: « يصعب علينا فهمه بالعقل الحديث وأدواته، كما أنّ من المستحيل أن تُستعاد النبوّة الكبرى بعد توقفها مع [37]». هذا كلام واضح نوعا ما، ولكن غير مفهوم ولا واضح قوله بأن النبوّة « هي معطى كصلابة العالم الخارجي، لكن قد تغدو يوما ما تراثا فيكون معطى أيضا [38]». ولا نفهَم أيضا كلامه الموالي، لا لأنه غامض أو كُتب بأسلوب ناشز، بل لأنه متناقض: « وليس لنا مع هذا أن نستسلم ونتخلّى عن طريقتنا الفينومينولوجية، وإلاّ ردّدنا ما أوردته المصادر القديمة [39]». إمّا العقل بكامل صلاحيته، أو اللاعقل ولا ثالث بينهما: أن يزعم أحدهم بأنّ النبوة لها صلابة كصلابة الواقع ثم يَمنع العقل من المسك بهذا الواقع وإدراك ديناميكيته، فهو تناقض واضح علاوة على أنه استسلام أمام اللاعقل. لكن جعيّط مصرّ على موقفه المحافظ من الوحي والأنبياء، وهذا لا يصدمنا كثيرا: « فالوحي للأنبياء مجعول لتنظيم البشر على أفضل طريقة، ويُمثل تدرّجا مُهمّا جدا في تطور المجتمع الإنساني. يتدخل الله بالوحي للرّفع من مستوى الإنسان عن طريق هُدَاة يختارهم. وبالتالي فالنبوّة إفراز من قوى الحياة، كما يقول برغسون، وخطوطها العظمى بتدخّل من الماورائي، أو أن الأنبياء ـ من موسى إلى زردشت إلى البوذا إلى المسيح محمد ـ يستقطبون الماورائي ليس فقط لفهم الوجود والمصير، بل وأيضا للتقدّم في بناء الإنسان. وأيّ مجتمع لم يفرز مثل هؤلاء الهُداة لا ترقى إلى مجتمع متحضّر [40]».

المؤرخ لا ينبغي عليه أن يستسلم أمام اللاعقل، أو أن يُسلّم به دون نقاش، من المفروض أن يكون كذلك، لكن بالنسبة لجعيط « المؤرخ يقبل ذلك دون نزاع حتى عند أنبياء أستراليا والشامانيين. وبالتالي، فكل تشكيك في النبي من طرف علماء الأديان مغلوط منهجيا [41]». وعلى هذا الأساس فإن الرجل يعارض بشدة تحليلات فرويد بخصوص موسى والتوحيد ويقذفها في عداد الخرافة « ما يرويه فرويد عن موسى خرافة لا أكثر [42]». كُنّا نودّ أن يُبيّن لنا، المؤرخ جعيط، بالنصوص والحجّة مواطن الخرافة في عمل فرويد، ثم يُعطينا البديل، لكن لا شيء من هذا القبيل موجود عنده؛ لا شيء وذلك لسبب بسيط، وهو أنه، حسب الذهنية الدينية المؤمنة، لو شُكّ طرفة عين، كما فعل فرويد وغيره، في نبوة موسى لَسَقط بناء الديانات التوحيدية جميعها ولَفقَدت الكتب "السماوية" والأنبياء من قدسيّتهم، ولَطَفَت على السطح هشاشة ادعاءاتهم بل وتمويههم، وهذا ما لا يرضاه جعيّط.

في ما يخص الجِدّة التي وعَد بها وادّعائه بعدم التقيّد بنهج السيرة المقدسة التي ارتسمت معالمها منذ القرن الثاني للهجرة، فإننا فعلا نعثر على بعض الأشياء في كتابه هذا على الرغم من أنها متناثرة وغير منسّقة. لكن تلك الجدّة يُمكن إدراجها، بشيء من الجهد، ضمن

ضمن لائحة عناصر بسيطة وعَرضية. لقد ركّز شكوكه على جزئيات غير محدِّدة ولا أهمية لها في التاريخ المقدس، وفي مقابل ذلك أبقى على بنيتها ولم يمسس من هيكلها الأساسي. مثل رفض قصّة غار حراء، أو معارضة فكرة أن محمدا لا يُحسن القراءة [43]، لكن حتى إزاء هذه النقطة الأخيرة لا ندري ما موقفه تحديدا، فهو من جهة يقول: « لا نستبعد أن يكون محمدا جاهلا للقراءة [44]» ومن جهة أخرى يؤكد قائلا: « ومن الواضح عندي أن شخصا مثل محمد … كان يُحسن القراءة والكتابة [45]». الحل الأقوم الذي يقطع شكوك المستشرقين اللامؤمنين ويُعيد للمسلمين قناعاتهم ويحافظ على نقاوة دينهم هو التوفيق والجمع بين الضدّين: « أما بالنسبة إلينا كمسلمين معاصرين، فلا تَضارب بين صفة الموحَى إليه ـ أي محمد ـ وحقيقة الوحي، وبين صفته كشخصية فذة من طراز أعظم مؤسسي الأديان، وفي رأيي الخاص أكبرهم قامة [46] ».

إذا وَزنّا تحليلات جعيّط بمعيار علمي بحت فإنه لا محيد من القول بأنها فاقدة للموضوعية العلمية، بالاضافة إلى أنها مشحونة خطابة ووجدانا إيمانيّا، وأراهن على أن الرجل لو وُلد في العالم المسيحي (وكان من أتباع البابا راتسينغار)، لقال نفس الشيء في المسيح ولاعتبره ابن الله المخلص الأوحد للبشرية، والذي ما بعده مخلص ولا دين ولا كتاب مقدس، ولأنكر على المسلمين أقوالهم في المسيحية وادعاءهم بأن رسالة محمد هي الخاتمة وأن كتابه كلام الله الأزلي. وأترك لخيال القارئ تصوّر ما سيكون عليه الحال، وما طبيعة مواقفه من الأديان التوحيدية لو أنه وُلِد في العالم الهندي وشبّ على الديانة الهندوسية. انظر بأي طلاقة لسان يتكلّم في المسيحية وبأي تَداعٍ حرّ يُشَرّح العهد القديم متبنّيا هذه المرة حرفيا أقوال المستشرقين [47]. نحن لا نعيب عليه ذلك إطلاقا، فالمستشرقون درسوا الكتب اليهودية والمسيحية دون أي تقديس أو تعالي مُخل بالمنهجية العلمية، وجعيّط نفسه يستشهد بهم ويزكّي نتائج بحوثهم: كان عليه أن يتحلّى بنفس الموضوعية إزاء كل الأديان بدون استثناء. لكن، كما يلاحظ القارئ، حينما يمسّ النقدُ القرآنَ، فإنه يفقد رصانته ويتهجّم على المستشرقين بشدّة، وتخمد التداعيات الحرة، ولا نحصل إلاّ على استثناءات وحذر شديد وإرادة تنزيه. المستشرقون الوضعيون هم في حالة إدانة نظرا لجَهلهم بمعاني القرآن وعدم قدرتهم على تذوّق فصاحته لأنهم لم يَتربّوا في كنف اللغة العربية منذ الصغر [48] .

الملفت للنظر هو أن في ثنايا الكتاب الذي نحن بصدده أخذ دور المؤرخ الوضعي يتقلّص رويدا رويدا، لكي يحلّ محلّه الفقيه أو المفسر للقرآن، وذلك بتركيز جهده على الجانب الدفاعي لتنزيه الإله الإسلامي وإخراج كلمات سورة النّجم من معناها الأنثربومورفي التشبيهي [49]. لكن، علاوة على الشكوك الجمّة التي تحوم حول تأويله لتلك السورة، فهو قد أخطأ حينما قال بأن القرآن لم يذكر من أسماء العلم إلاّ أبا لهب. وزيد، ألم يذكره القرآن بصريح العبارة؟

جعيّط يَقف ضدّ السيرة الكلاسيكية لا لكي يتجاوزها، بل ليعود بنا إلى الوراء. يقول مثلا بأن تجربة الوحي « مِن حيث خصوصيتها للنبي وصفتها الخارقة للقوانين الإمبيريقية للطبيعة…. ليست بالرؤية العادية…خلافا لما ذُكر في السّيَر». ما هي بالتحديد، إن لم تكُن رؤية عادية؟ « هي رؤية لا بمعنى الحُلم لكن بمعنى إدراك ما لا يُدرك عامة وعادة. أي أنّا هنا ندخل في واقع لاإنساني وحقيقة تفوق الإنسانية [50]». النتيجة التي يعرضها جعيط في ما يخص الرؤية تبدو وكأنها أتت بالشيء الجديد إلاّ أنها في حقيقة الأمر لا تَفوق ولو طرفة عين ما جاء في التفاسير القديمة وفي كتب السيرة: « الخلاصة أن رؤيا النبي حسب النجم هي رؤيا لجبرائيل، قوة الله وروحه، وهي رؤية من موجود إلى موجود آخر تكشّف له في شكل يُرى…إلخ [51]».

لا يكفينا التاريخ الذي يعجّ بالخوارق وبأنبياء متعالين على الشرط الإنساني؛ لا يكفينا الوحي والكتب المقدسة، بل علينا أن نتجرّع أيضا مرارة بانتيون (Panthéon) الملائكة وعلى رأسهم جبريل.

نحن نطلبُ من المؤرخ، هشام جعيّط، أن يرحم عقولنا، وأن يتحلّى بشيء من الموضوعية: إنّ تركيزه على تفرّد التجربة النبوية، على خصوصية القرآن، محمد، الإسلام، لهو أمر مُخيب للآمال؛ وكأن الإسلام مقطوع عن شجرة التاريخ الدنيوي، وكأن النبوّة لم تَنبَع من صُلب تجربة أنبياء بني إسرائيل، أو من صيرورة الخلاص المسيحية. كل شيء في الإسلام هو استثناء، والنبوات ككل هي تجارب إلهية خارقة للعادة. ولنا أن نحدس، والأمر على هذه الشاكلة، أن جعيط سيرفض رفضا قاسيا كل تفسير علمي مادي لظاهرة النبوة: « من الغلط التام أن يعتبر فيبر أن محمدا كان محاربا استلابيا… [52]»؛ ماكس فيبر « كوضعي عقلاني حديث، اعتبر سلوك الأنبياء من النمط المَرَضي»، الاعتراض هو هذا: « كيف يمكن تقديم مثل هذا التفسير وقد أتوا بالحكمة والكلام العميق؟ [53]». لقد قهرنا جعيّط بعمومياته، لستُ أدري أين هي الحكمة في خطابات تشبيهية وفي أساطير مُذلّة للعقل. ولكن استثارته لحساسيتنا الفكرية تكمن أساسا في سدّه على المفكرين الأحرار أي منفذ لتَمتِين أفكارهم وإضفائها مصداقية ما، يقول بأنه من حق الفيلسوف أن يُبدي رأيا بشأن الأديان، وله أن يَنقدها أو يُكذبها « لكن هذا يعتمد على خيار فكري إيديولوجي هو بذاته تاريخي [54]».

هل هناك أقوال تثير الشفقة أكثر من هذه؟ يعني أنّ رفض العقول التنويرية للأديان جميعا وأساطيرها وخرافاتها، هو مجرّد خيار شخصي للمفكر، ولا يعكس حقيقة الأشياء على ما هي، بل من مجال الإيديولوجيا، وعلى كلّ حال فهو خاضع للتبدّل والتاريخ، وبالتالي ـ هذا استنتاجي ـ مِن غير المستَبعد أن تعود الإنسانية القهقرى وتستعيد أساطيرها القديمة. هذا أمر معاين ونعيشه حاليا، وما صعود المتعصبين الإنجيليين في أمريكا وأوروبا وتشكيكهم في نظرية داروين، لإعادة أساطير الخلق من العهد القديم، إلاّ بوادر لهذه الصيرورة الكارثيّة. التفريط في العلم لأجل المحافظة على الأوهام، أو لغرض إحياء خرافات بالية، ليس من الحصافة العلمية في شيء. إنها مفارقات جدّ رهيبة، وهذه المفارقات تمس في العمق تفكير جعيّط ومواقفه المعرفية فضلا عن مهمته التعليمية، وإن لم يتدارك الأمر فإن مصداقية أعماله ستتبَخّر.

ابستيمولوجيا جعيّط هي ابستيمولوجيا العدمية: لا حقائق ثابتة، ولا قوانين علمية قادرة على معرفة الكون، والكل يخضع لديناميكا نسبية تاريخية، وملفوف في ثنايا التزمّن؛ أما جوهر الأشياء وأسبابها وعللها فتبقى مجهولة. يقول، في لهجة لا يَختلف فيها معه أي ذهن متدين مشحون بالأساطير « العلم بذاته رَسَم حدودا لنفسه، فحقائقه نسبية ودقيقة في آن…وتبقى أصول الأمور وأسبابها النهائية مُعلّقة [55]».

مَن يرى في الأديان مجرّد ركام مِن الأساطير فهو فاقد لسلامة العقل، غبيّ، وينقصه العلم والحكمة، لأن جعيّط أوجب، أقول أوجب، على مَن هو مِن « أهل العلم والحكمة وحتى سلامة العقل [أن يَنظر إلى الأديان] بمحبّة وتقدير، ويجب عليه ذلك. فمن الغباوة أن تُرمى اليوم الوثنية المصرية بالجهالة… [56]». على كل حال يجب الكف عن البحث وقطع الشكوك والإنبراء بالصمت أو الاكتفاء بالإيمان والتصديق بكائن غيبي، غير محتمل الوجود، عن طريقه تُحَلّ كل المشاكل التاريخية والمعضلات الفلسفية: « هناك رجال دين تلقّوا وحيا، وهناك كتب موحاة في كل مكان وبكل شكل من الأشكال، وليس علينا أن نشكّك فيما قالوه أو أن ندخل في مشاكل ميتافيزيقية ولاهوتية [57]».

بخصوص الكتاب الذي نحن بصدده أكتفي بهذا القدر، ولكنني أذكّر القارئ بما كنتُ قد قُلته من قبل، أعني أن هذه اللاعقلانية السارية في مخطط جعيط لكتابة السيرة ومواقفه الإيمانية من الوحي والنبوة والقرآن لها مبرّرات عملية مباشرة، نَجدها في تلميحاته الواردة في الصفحة 13 من الكتاب أعلاه، حيث يقول: « لا بدّ هنا من أن أسدّد شكري لمؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود في المغرب، لأنها مكّنتني من إلقاء محاضرة حول الموضوع وطلبت مني نشرها. لكن المحاضرة غدت كتابا». لقد انكشف السرّ وتَجلّت كل المعضلات والتناقضات التي اخترقت عمله: أتريدون أن يُلقي أحدهم محاضرة في مؤسسة دينية أمام حشد من المؤمنين ويقول أشياء مخالفة للإسلام السني الوهابي؟ هذا لا يكون ولا ينبغي أن يكون إطلاقا. ما ينبغي أن يكون حصرا هو هذا: خُطب ومَواعظ دينية كتِلك التي تُلقى من على منابر المساجد « وإذا كان محمد ممّن بنى الضمير الإنسان الداخلي ومن ثم الحضارة والثقافة والأخلاق، وكان ممّن أسهم بقوة في قفزة كبيرة في مسار الإنسانية من الحيوانية إلى الإنسانية، وهؤلاء الهداة قلة، وإذا كان ممن أعطى لمسار التوحيد أرقى تعابيرها من الوجهة الأنطولوجية على الأقلّ، فهذا النبي يبقى شاهدا على الله وعلى أمته شهيدا. ولَهذا لَهُو حقيقة النبوة المحمدية وجوهرها في الأعماق [58]».

2 ـ السيرة النبوية . تاريخية الدعوة المحمدية في مكة:

سأ

في لقائه مع "ماغازين لترير" (المجلة الأدبية) يحاول تودوروف تناول عصر الأنوار الأوروبي من جوانب مختلفة، لا تقتصر على تقديمه كعصر للمعرفة وحسب، بل وأيضاً كانطلاقة جذرية لولادة مفهوم الحرية الذاتية والجماعية باعتباره  يؤسس الحضارة والثقافة، ويغذيهما.

                

المجلة الأدبية: على الصعيد التاريخي، كيف تشخص مرحلة الأنوار؟

 

تودروف : النقطة المركزية في فكر عصر الأنوار هي نقد الوصايات الخارجية والتأكيد على الاستقلال الذاتي. فهو، في المقام الأول، حركة تحرير تؤكد  ضرورة تحمل الفرد الإنساني لمصيره بنفسه، إن كان ذلك المصير سياسياً أو فردياً. إذ لم تعد التقاليد من يمسك القانون ويطبقه، بل البشر أنفسهم : الشعب هو صاحب السيادة. ذلك هو معنى "الإرادة العامة"، أي الفكرة التي أدخلها جان جاك روسو على حقل التفكير عبر كتابه "العقد الاجتماعي". لا يمكن التلاعب بإرادة الشعب، ولا يمكن إيداعها بيد أحد إلا وقتياً، فالملك نفسه أصبح مسؤولاً أمام الشعب. لقد أدى ذلك الرفض للوصاية، في ذات الوقت، إلى خيبة أمل من العالم. إذ أصبح الكون برمته خاضعاً لقوانين الطبيعة، ولم يعد هناك مكان للقدسي إلا ضمن الإيمان الذي تحول إلى شأن فردي : كان غاليليو ونيوتن قد برهنا على تماثل العالم الفيزيائي. فما إن نعيش ضمن عالم طبيعي بكامله، أي في عالم ما عاد خاضعاً للقوى السحرية، حتى تتمكن العلوم من الانطلاق : العلوم الطبيعية، لكن الانتربولوجيا والسوسيولوجيا أيضاً، وكذلك السيكولوجيا وعلم التاريخ. كل شيء يغدو مادةً للمعرفة. كما ينفتح الأفراد أنفسهم على تنوع الكون : انفتاح جغرافي، يرافقه فضول عال لمعرفة عادات البلدان الأخرى وسلوكاتها ، كما هو انفتاح تاريخي. ومن ثم يبتدئ العمل على وصف المراحل السابقة، ليس بوضع لائحة أمثلة عنها على طريقة "مونتين"، ولكن بالبحث عن تواصلها الخاص.

إن عصر الأنوار هو إذن، في آن معاً، شمولية العالم والتنوع اللانهائي للاختلافات. كل هذه المبادئ الأساسية التي تعيش في ظلها حداثتنا قد ابتدعها عصر الأنوار.

 

المجلة الأدبية : ألا يمكن أن تكون هذه صورة مثالية، فعصر الأنوار قد واجه، منذ بدايته الأولى، انتقادات لاذعة.

 

تودروف : بعض تلك الانتقادات مشروع، والبعض الآخر يستند على سوء فهم. إن أول تلك الانتقادات لمشروع الأنوار كان يتعلق بخطر الإرادة غير المحدودة. فإلى أي شيء سيخضع الكائن الإنساني عندما يكف عن الولاء لقوانين جاءت من مكان آخر؟ إذ دون حواجز المنع، كما كان يُقال في القرن التاسع عشر، سينتهي الإنسان بخلق الغولاغ، ويقضي على الأجناس الضعيفة. ضمن فكر عصر الأنوار، تواجه الإرادة  تحديدين مزدوجين: أولهما الإنسانية إذ هدف النشاط الإنساني هو لصالح خير الإنسانية، فالبحث عن السعادة احتل مكان البحث عن الخلاص، وإذا لم تكن الفاعلية التي يقررها الفرد المستقل، تخدم  مصالح الإنسانية، ولا تضمن للشعب سعادة كبيرة، فينبغي طرحها جانباً. أما  التحديد الثاني، فهو الشمولية، فكل مفكري عصر الأنوار كانوا حساسين حيال هذا الشرط. فعند روسو لا بد ، لمعرفة ما هو عادل، من مراقبة ما ينصب في خانة المصلحة العامة. أما مونتسكيو، فيؤكد على ضرورة التخلي عن فكرة تتناقض مع مصالح الإنسانية. بعد ذلك، أعطى كانط لهذه الشمولية صياغتها الفلسفية. إن المجاهرة بالآراء المتعلقة بالإيمان بتلك الشمولية تحدّد إطاراً بعينه : ليس من المباح القيام بكل شيء. لقد جرت المطالبة بالاستقلال، استقلال الفرد والمعرفة، واستقلال الشعب، لكنه استقلال محدد، موضوعاً في إطار الشمولية والإنسانية.

 

المجلة الأدبية : لقد حددت مبادئ عصر الأنوار هذه أفقاً للتقدم. أما اليوم، فإن كل خطاب يرجع

إليها يصطدم بأشكال الرعب التاريخي وباستحالة الإيمان بغد أفضل.

 

تودروف : على عكس ما هو شائع، لم يطالب أي من رجال عصر الأنوار بفكرة التقدم الأحادي. وفي المقابل، أعلن جميعهم التمسك بفكرة كمال الجنس البشري، ولقد كان صراع نظرية التقدم مع نظرية الكمال هذه قد ولدَ توتراً مثيراً. كان "تيرغو" من أشد المدافعين عن فكرة التقدم. فقد تناول من جديد مشروع "بوسويه"، المتعلق بإكمال الإرادة الربانية، وذلك بإبدالها بمضمون دنيوي. أما فولتير نفسه، فقد كان أكثر تردداً : كان يؤكد أن الإنسانية تتوجه ببطء نحو التقدم، وقد شدّدَ على مفردة بطء. ومن جانبه، كان "ليسنغ" ينافح من أجل مفهوم للتاريخ يضع بعين اعتباره تربية الجنس البشري : لا نرتكب الشر إلا بحكم الخطأ، كذلك يمكن تعليم الخير. إن تيار عصر الأنوار هذا يؤمن بالتقدم، لكنه كان يتعثر بالعديد من الانتقادات، كتلك التي وجهها إليه "هيوم" أو "ماندلزون". لقد كانت فكرة التقدم واحدة من الطروحات الأساسية التي نتج عنها صراع ما بين روسو والإنسكلوبديين (الفلاسفة والمفكرين الذين ساهموا في وضع موسوعة المعارف في القرن الثامن عشر). فروسو كان يفكر بأن كل تقدم سيُدفع ثمنه غالياً على صعيد التراجع. ففي كتابه "مقالة عن أصل اللامساواة"، يحذر من التالي : كلما قمنا بتسهيل حياة الفرد، أثقلنا بذلك على الجنس البشري. ستصبح خطوات التقدم العلمي تعاسة للناس. فها هو خطر يتمثل في اعتقادنا بأننا قادرون على تصور الجنة على الأرض. لا يدعي روسو بناء إنسانية متكاملة، أو تخليصها من كل آلامها، ففي نظره تسيل فكرتا الخير والشر من ذات المنبع. إن معالجة الإنسانية مما هي عليه قد ينتج عنه جنس بشري آخر. لذا فهو ينظر للحياة الإنسانية باعتبارها "حديقة غير مكتملة"، لكي أستخدم مجاز "مونتين"، إذ ليس البرنامج السياسي الجيد لوحده، أو إعادة توزيع وسائل الإنتاج منْ بإمكانه تنظيم كل شيء. لم تسمع الثورات من تعاليم الأنوار سوى قسماً واحداً. ومع ذلك، يصر روسو على فكرة التكامل (فهو، كما يبدو، منْ ابتدع تلك المفردة) : في كل لحظة، يستطيع الفرد الإنساني تصور حالة أفضل من الحالة التي يجد نفسه فيها في الحاضر، فيما لا يتمتع الحيوان بمثل هذا الشعور وليس بمقدوره تخيل وضع آخر غير الذي يعيش فيه. أما الكائن الإنساني فيمتلك قدرة استثنائية على طرح مثُل، أي الرغبة في التغيير. لقد عاش في الخطيئة، كما يقول المؤمن، ثم قرّر عدم القيام بها ثانية. بيد أن ذلك لا يقدم معنى للتاريخ! فنحن عندما ننتقد بسذاجة التقدم، نظل أوفياء للأنوار. لكنها أنوار "ماندلزون"، روسو وكانط، أكثر من كونها أنوار "تورغو"، "ليسنغ"أو كوندورسه.

 

المجلة الأدبية : بعد أن قامت الثورة بقلب كل أوروبا، وتحولت إلى جيوش نابليونية للغزو، شهدنا اشتعال لهيب القوميات، العودة إلى تراب الوطن، سفك الدماء، التقهقر نحو الماضي، إلى عمق الأساطير. أما اليوم، وبعد اعتقادنا بأن هذه الشياطين القومية قد دخلت في جحرها، ها هي تعاود الانبثاق.

 

تودروف : إن الصورة التي تحضر في ذهني هي صورة ذلك الأفعوان الخرافي ذي التسعة رؤوس والتي لا تكف عن البروز دائماً من جديد. فرجال عصر الأنوار، بإبطالهم شرعية الملكِية والكنيسة، كانوا يحسبون أنفسهم "هرقل" الذي يقطع تلك الرؤوس، دون أن يلاحظوا أنها سرعان ما تشب ثانية. فالتكاملية، وحدها، ليس بمقدورها قيادة التقدم الواضح، وسترغمنا دائماً على البدء ثانية وبشكل متواصل. ذلك لأن ردود الأفعال ضد الاستقلال، والإنسانية، والشمولية لا تكف عن المعاودة: الكائن البشري ليس بالبساطة التي كان يؤمن بها انتربولوجيو عصر الأنوار. فهو يأمل في الحرية والتحرر، لكنه يخاف أيضاً من تلك الحرية، وينشد الحماية والعيش ضمن الروتين، وكذلك يمنح نفسه للأنانية.
دعني أؤكد على أن مهاجمة الأنوار قد تمت، منذ القرن الثامن عشر، من جانبين متعارضين، فاللوم يوجه لها في وقت واحد لأنها قامت بأشياء كثيرة، ولأنها لم تقم بالشيء الكثير. كان مونتسيكو يقول إنه يشعر بنفسه وكأنه شخص يسكن الطابق الأول : يزعجه في آن الدخان المتصاعد من الطابق التحتي وضوضاء الطابق العلوي...أما روسو، فيكتب لـ "بومونت" إنه ما أن انتهى بالكاد من نقاشه مع الأتقياء، حتى كان عليه منازعة "الفلاسفة. "

 

المجلة الأدبية : ثمة إذا طريقة أخرى لمناقضة الأنوار : معرفة حرة، لكنها لم توضع في خدمة عيش    أفضلللإنسانية.

 

تودروف : يجب فعلياً التمييز ما بين أشكال رفض التحريفات التي تدفع ببرنامج الأنوار إلى نهايته القصوى، بحيث تحوله إلى ما هو نقيضه. فعندما يقول الماركيز دي ساد، في كتابه "فلسفة الصالون"، إنه لا ينبغي علينا أبداً الخضوع لوصايات قادمة من الخارج ولا الركوع أمام أخلاقية التقاليد، فأنه يظل ضمن عقل الأنوار. لكنه عندما يطالب بجعل الآخر يتألم، لأن ذلك يوقظ شهوته، فهو يتنصل عن بحث الخير العام، لذلك فإن الكابح المضاد للحرية غير المحدودة ، وبصورة أكثر أهمية، تخيل الإنسان قادراً على إشباع نفسه  ذاتياً، شيء ضروري. وبذات الطريقة، فإن التوليتاريين هم أطفال غير شرعيين للأنوار. فالشيوعية مثلاً تطرح كفرضية الشفافية الكاملة للكائن الإنساني على صعيد المعرفة : قدرة على معرفة كل شيء وبالتالي إمكانية خلق إنسان جديد عن طريق إعادة تربية الإنسان الحالي، وذلك عبر التحويل الاجتماعي لظروف الحياة. لكن مشروع الأنوار ، والحال هذه، ينطوي على ما هو مجهول. فمونتيسكيو يؤكد على وجود جانب لا يمكن معرفته عند الكائن الإنساني، وبأن هذا الشيء يرتبط بحريته بحد ذاتها، والتي يفلت بفضلها من الحتمية السببية. أما النسبية الراديكالية فهي شكل آخر لذلك الانحراف. فسود أفريقيا هم بشر كالبيض الأوربيين. غير أن الاعتراف بهذا التنوع ينطوي رغم ذلك على وحدة الجنس البشري. بالمقابل، يمكن لتلك النسبية الراديكالية أن تقود إلى فكرة أن الأجناس البشرية شديدة الاختلاف إلى حد لا يمكنها أن يتواصل بعضها مع البعض الآخر ولا الاندماج في ما بينها. أما اليوم، فنحن مهددون أكثر من أي وقت آخر بتحريفات عصر الأنوار أكثر من كوننا مهددين برفضها. لقد سعت الأنوار لإحلال هدف إنساني محل الهدف الإلهي لممارساتنا، وتبرير وجودنا. والحال هذه، نجد أنفسنا يوماً بعد آخر مأخوذين بحركة تقود إلى التنصل عن تلك الغائية الإنسانية : لم يعد هناك من شيء آخر سوى الوسائل. وننسى أنها قائمة من أجل خدمة غاية، كما نواصل بلا هوادة فكرة التطور، والإنتاجية، دون تساؤل عن غائية هذا النشاط المنفلت. لكن الفاعلية الإنتاجية لا تشكل هدفاً في حد ذاتها، فلا جدوى منها إن لم تكن موضوعة في خدمة حياة أفضل.

 

المجلة الأدبية : من بين أطفال عصر الأنوار الشرعيين أو غير الشرعيين، نلتقي بالليبرالية، وهي فكرة غالباً ما تمّ ربطها وبانتظام، في القرن التاسع عشر، بعقل الأنوار. لقد تبدل معنى تلك المفردة وصار يختلط اليوم بالاقتصاد الذي يعمل لوحده تماماً.

 

تودروف : باعتباري مؤرخا للأفكار، أشعر بالضيق من الاستخدام المعاصر لكلمة "ليبرالية". فمع الحط من شأن اللغة الماركسية نوعاً ما، حلت هذه المفردة محل كلمة "رأسمالية". بيد أن ليبرالية أوروبا كانت قبل أي شيء ليبرالية سياسية. وكانت تهدف إلى وضع كابح لحركية الدولة، لكي لا تفرض علينا طريقتها في التفكير وفي العيش. إذ يمكننا اليوم اختيار ديننا، اختيار المدرسة التي نرسل أطفالنا إليها، والمدينة التي نعيش فيها. لكن في بلغاريا، مسقط رأسي، كان من الصعب تماماً، في ظل الديمقراطية الشعبية، السكن في صوفيا إذا كان المرء قد ولدَ في مكان آخر. كذلك يصعب عليه اختيار مهنته أو مكان عمله. وقد شكل ذلك نقيضاً لليبرالية. ولا يسهل عليّ تخيل عداء معاصرينا لهذا النوع من الليبرالية السياسية، والتي كانت هي ليبرالية مونتسيكيو، بنيامين كونستانت وتوكفيل، أو ريموند أيرون، أي ورثاء الأنوار هؤلاء.

 

المجلة الأدبية : كانت إحدى أسس عصر الأنوار تشكيل الرأي العام. أما اليوم، وحتى في الديمقراطيات الليبرالية، أصبح التلاعب بالرأي العام تقنية تعمل هي الأخرى لوحدها، حيث يمكن نسيان الغائية الإنسانية.

 

تودروف : لقد وضعت أجهزة الإعلام في الغالب في خدمة غرض يفتقد لأي نبل : مضاعفة قوتها الخاصة وتعزيزها، وهذا ما يشكل انحرافاً للأنوار يسلبنا استقلالنا. نحن نظن  أننا أحرار، لكننا خاضعون للدعاية التي تجعلنا نرشح كقطرات الماء عبر شاشاتنا الصغيرة، وصحفنا. إنها أجهزة تعددية، لكنها قائمة ضمن إطار داخلي تم تحديده سلفاً. تقتضي الأنوار اليقظة. ففي كتابه "مقالة عن أصل اللامساواة"، يذكرنا روسو بأنه في مواجهة أي ضغط يمتلك الكائن الإنساني، والكائن الإنساني وحده، القدرة على القبول أو المقاومة. لا ينبغي أبداً نسيان ذلك : فنحن أيضاً يمكننا المقاومة.

 

المصدر موقع الاوان