حول الثرات
الثرات هو النسق المعرفى العام الذى تاسس فى مرحلة تاريخية
كان فيها العلماء يبدعون و يسهمون فى انتاج المعرفة.انه كل
متكامل يشكل فى مجموعه خطابا منسجما يتغذى بالاختلاف
الذى اثرى به العلماء تصوراتهم و ارائهم ولايمكن ان ننفى
الثاتير الذى تركه الماضى علينا لاننا لسنا سوى جزء منه
فهو حاضر فينا سواء عن وعى او غير وعى فما فينا او
معنا من حاضرنا من جهة اتصاله بالماضى هو ثرات
ايضا.
ذلك لان مانريد بل ما يمكننا التعامل معه من حيث هو
معرفة ماضية ليس الثرات كما عاشه المتقدمون او كما
وصلنا .بل ان الثرات هو المعرفة التى ظلت صالحة
وبامكانها ان تساهم فى تطوير معرفتنا وبلورة مشاغلنا
علما من انه هو نفسه يظل قابلا للاغناء و التطوير.
نتوق من خلال ذالك الى بلورة موقف علمى و نقدى من الثرات
والى طرحه للنقاش و التمحييص ونستشف كل الاراء والتوجهات
التى عبرت عن وجهة نظرها فى الموضوع. مع تشكراتنا للجمييع
واحترامنا لكل التصورات فى ايطار النقاش الديموقراطى الذى
نتوخاه.
ايت ابراهييم عبد الله
هل الثرات مشكلة
التراث لا يتحول إلى مشكلة على مستوى العمل, أو إشكالية على مستوى النظر, إلا عند الأمم والمجتمعات التي تعيش مراحل ما قبل التقدم والتمدن. وتتجلى هذه المشكلة بصورة أوضح في المجتمعات التي مرت بتاريخ سابق من التقدم والتمدن, وافتقدته فيما بعد. فيتحول التراث عند هذه المجتمعات غالباً إلى ذاكرة للتمجيد, وتاريخ للتعظيم, وإلى ذهنية تجعلها تنظر إلى الوراء لإشباع رغبتها في التقدم. من جهة أخرى إن التراث لا يتحول إلى هم وقضية في الغالب إلا في حالة التفكير بالنهوض والتقدم, التقدم الذي يستحضر معه التراث, ويعيد قراءته بمنظور مختلف. وهذا يعني أن الأمم والمجتمعات المتقدمة لا يتحول عندها التراث إلى مشكلة أو إشكالية لأن التقدم الناجز والتمدن الذي وصلت إليه هذه المجتمعات يفترض منها أنها هضمت تراثها وتجاوزته, أو طورت ما هو أفضل منه. لذلك فإن التفكير والاهتمام في هذه المجتمعات ينصرف في الغالب إلى قضايا الحاضر والمستقبل, أو ما يعرف بالحداثة والمعاصرة.
كما أن نظرة الأمم لقضية التراث تتغير وتتبدل بحسب حركتها في اتجاهات التقدم والتمدن. فمع كل تقدم أو تطور تتجدد نظرة الأمم إلى التراث, لأن التقدم يفرض ذهنيته ومنظوره, إلى جانب سيطرته وقدرته التي يغلبها على أي منظور أخر. فالغرب قبل التحضر كانت لديه مشكلة خطيرة مع تراثه الذي كان مقطوع الصلة به, وبعد التحضر تجاوز هذه المشكلة وتغلب عليها حين اكتشف طريقه إلى تراثه فهضمه وتمثله وتجاوزه, وأسس عليه وأنجز ما هو أفضل منه. وأكثر من ذلك إن الغرب استطاع هضم تراث غيره من الأمم والحضارات, وبالذات التراث العلمي والحضاري لعالم الإسلام, بعد أن قام بأوسع وأنشط حركة بحثية واستكشافية لتراث الحضارات الكبرى التي مرت على التاريخ الإنساني. وهو اليوم يحتفظ ويحتكر الكثير من ذلك التراث. فمن يريد البحث عن المخطوطات العربية والإسلامية التي هي من كنوز المعرفة الإنسانية فلن يجدها أو الكثير منها إلا في الغرب, في إيطاليا وأسبانيا وبريطانيا وفرنسا وهولندا والبرتغال وألمانيا, وحتى الآثار والتحف والمصنوعات اليدوية والفخارية والنحاسية الكثير منها موجود هناك. ويقال ان ما يناهز خمسة ملايين مخطوطة إسلامية مكتوبة بالحرف العربي موجودة في مكتبات العالم وخزائنه العامة والخاصة, ولم ينشر منها في عصر الطباعة خلال القرنين الماضيين إلا حوالي مائتي ألف مخطوطة. وفي المتحف البريطاني وحده يوجد حوالي 25 ألف مخطوطة عربية وإسلامية, وحوالي مليون مخطوط عربي وإسلامي مفهرس.
أما نحن فلم نهضم تراثنا أو نتمثله, فضلا عن أن نتجاوزه ونقدم ما هو أفضل منه, وهذا هو جوهر مشكلتنا المعرفية والمنهجية والنهضوية مع التراث.
ومشكلة التراث ترتبط أساسا بمشكلة الثقافة, لأن طبيعة الفهم الذي يتشكل حول التراث يجد مرجعيته في الثقافة التي تمثل منظور الرؤية, وهي التي تحدد وجهة العلاقة بالحياة والعصر والعالم, ومن هنا منشأ جدلية العلاقة بين التراث والعصر. والمشكلة أن الثقافة السائدة في العالم العربي والإسلامي لم تستطع أن تكوّن رؤية متوازنة وفاعلة في العلاقة بين التراث والعصر. وهذا هو سبب الإرباك في طبيعة الفهم المتشكل حول التراث. لأن كل تفكير في التراث هو تفكير في الثقافة, وكل تجديد في الثقافة يحدث تغيراً في النظر إلى التراث.
سابق من التقدم والتمدن, وافتقدته فيما بعد. فيتحول التراث عند هذه المجتمعات غالباً إلى ذاكرة للتمجيد, وتاريخ للتعظيم, وإلى ذهنية تجعلها تنظر إلى الوراء لإشباع رغبتها في التقدم. من جهة أخرى إن التراث لا يتحول إلى هم وقضية في الغالب إلا في حالة التفكير بالنهوض والتقدم, التقدم الذي يستحضر معه التراث, ويعيد قراءته
الاصالة و المعاصرة
يحدّد المفكر المعروف محمد عابد الجابري الإشكالية الأساسية في الفكر العربي الحديث والمعاصر (بأنها تتمثّل في مشكل الاختيار بين النموذج الغربي في السياسة والاقتصاد والثقافة. . . إلخ، وبين (التراث) بوصفه يقدّم أو بإمكانه أن يقدّم، نموذجاً بديلاً و(أصيلاً) يغطي جميع ميادين الحياة المعاصرة ومن هنا تصنّف المواقف إزاء هذا (الاختيار) إلى ثلاثة رئيسة:
مواقف عصرانية، تدعو إلى تبني النموذج الغربي المعاصر بوصفه نموذجاً للعصر كلّه، أي النموذج الذي يفرض نفسه تاريخياً كصيغة حضارية للحاضر والمستقبل. ومواقف سلفية تدعو إلى استعادة النموذج العربي - الإسلامي، كما كان قبل (الانحراف) و(الانحطاط)، أو على الأقل: الارتكاز عليه لتشييد نموذج عربي - إسلامي أصيل، يحاكي النموذج القديم في الوقت نفسه الذي يقدّم فيه حلوله (الخاصّة) لمستجدات العصر.
ومواقف انتقائية تدعو إلى الأخذ ب(أحسن) ما في النموذجين معاً والتوفيق بينهما في صيغة واحدة تتوافر لها الأصالة والمعاصرة (1).
في حين يؤكد الدكتور طيب تيزيني أن الفكر العربي النهضوي (الحديث) هو، في مساره الإجمالي والرئيس، (فكر النهضة المخفقة، فكر الإخفاق). وهو بصفته هذه، حمل ثلاث سمات رئيسة شكّلت وشمه الراجح البيّن، تلك هي: الهجانة والإصلاحية والقصور. ولذلك يرى تيزيني أن الاضطراب والتشوش والتهشم في مواقف ومواقع النهضويين العرب جاءت كأشكال متمايزة من ردود فعل على الأفعال الخارجية الضاغطة العنيفة(2).
ويعود تيزيني ليبحث في (اللوحة الإشكالية بين الأصالة والمعاصرة) فيشير إلى أن الأنساق المكوّنة لتلك اللوحة يمكن ضبطها وحصرها في ثلاثة أساسية، هي: السلفوية (النزعة السلفية)، والعصروية (النزعة العصرية)، والتلفيقوية (النزعة التلفيقية). ويضيف مستدركاً: (لعلّه من نافل القول أن هنالك خطوطاً تتقاطع عند تلك الأنساق مشكلّة ما يمكن اعتباره امتداداً لهذه الأخيرة أو أنساقاً متاخمة تحوم حولها. من ذلك، على سبيل المثال، ما نطلق عليه مركزوية شرقية أو عربية أو إسلامية)(3).
وإذ يسترسل طيب تيزيني في تفكيك مفهوم (العصروية) فإنه يعيدها بمجملها إلى النزوع باتجاه العصر القائم - الراهن، أي العصر الغربي والراهن الغربي. وكانت النتيجة المنطقية التي تولدت من هذه النزعة هي رفض (العصرويين) التاريخ والتراث العربيّين والإسلاميّين رفضاً قطعياً على الصعيد المنهجي والأخلاقي. وكان من شأن ذلك أن أدّى إلى مواقف ليبرالية إلحادية أو ما يقترب من ذلك(4).
ويعقّب الباحث المغربي الدكتور محمد عزيز الحبابي على هذه الحوارات، فيؤكد أن المعاصرة، قبل كل شيء، تفتّح على حصيلة المعارف والفنون والتقنيات، وعلى الأفكار التي تسود الفترة المعيشة. ويستلزم هذا التعريف حرية الفكر، ومرونة الذهن للتكيّف مع ما يستحدث، في مختلف الميادين.. فالكسل، والرتابة، ورفض التطور، خصال تعادي المعاصرة.
ولا اعتراض للحبابي على استخدام كلمة (عصري) وصفاً لمن (أحسن اندماجه في القرن العشرين)، لكنه يعتقد أنّ من التجنّي على اللغة والواقع، أن تطلق صفة (عصري) على من يتقن، فحسب، رقصة (السوينغ) و(بوب ميوزيك)، ويعرف آخر موضة في الأناقة، أو يكثر من استعمال (حرمان) و(اغتراب) و(استلاب)، و(إيديولوجيا) و(ديالكتيك) و(كبح)، وألفاظ أخرى لها سحر (الموضة)(5).
وعليه يرى الحبابي أن المقابلة بين الأصالة والمعاصرة ليست سوى مسألة زائفة أو إشكالية مصطنعة. فلفظ (عصري) مشتق من عصر. والعصري من أو ما ينسب لعصر، وبما أن كل الناس عاشوا أو يعيشون في عصر ما، فكلهم إذاً عصريون.
وإذا كان بعض المجدّدين قد وضع في مقابل (عصري) زيادة على (رجعي) لفظ (ماضوي)، من (ماضوية)، وهي تعني لديهم: اتخاذ الماضي مرجعاً، على حساب العصر والمعاصرة، فإن تلك المقابلة غير قائمة في الواقع. فأبو نوّاس، مثلاً، عصري بالنسبة لعصر بني العباس، وفي الوقت نفسه، ماضوي، من حيث إن لكل شخص ماضياً، عليه يتأسس شخصه وشخصياته، وبه تحد كينونته، ويتم تشخصنها، إنه مرجعي فيما يتذكر وفيما يتخيل: الماضي حضارة وثقافة أي تراث مشترك، وذاكرة جماعية. وبما أن التواصل من أبعاد الذات العميقة، فكل عصري (معاصر) لأن (الإنسان حيوان مدني بالطبع).
وبناء عليه يجزم محمد عزيز الحبابي بأننا (كلنا معاصرون لمن تجمعنا بهم ثقافة أو تراث، لأن لنا ذاكرة شخصية وذاكرة جماعية). بل ويؤكد من جهة أخرى: أننا جميعاً، عصريون، ورجعيون - ماضويون، في الوقت نفسه، وبالتساوي(6).
ويقع كثير من الباحثين والمتفلسفين العرب في تناقضات منهجية ومنطقية حين يلّحون على موضوعة الصراع الأبدي والحتمي بين الأصالة والمعاصرة. فمنهم من يطالب باسم التقدمية، بضرورة الاستغناء عن التراث العربي - الإسلامي، لأنه (عائق أمام التفتح والرقّي... ولا بّد من تنظيف ذهننا من بقايا ما علق به من آثار الماضي)، ومنهم من وصل به الأمر إلى حدّ المطالبة بالتخلي عن الحرف العربي، بزعم أنه غير قادر على استيعاب مكتشفات ومصطلحات العصر ومجاراة سنن التقدم!!
وغالباً ما تستخدم لفظة (معاصرة) معارضة للفظة (أصالة)، حتى باتت فئة من المصلحين الاجتماعيين العرب ضحية لتلك المعارضة.
لكنّ ذلك لا يعني أن (التراث) كلّه و(الأصالة) بمجملها قابلان للحياة والعصرنة. فمن خصائص (الأصالة)، لكي تبقى حيّة لابّد أن تكون قابلة للاستثمار، أي أن تبقى دائما محلّ تكيّف وتجدّد وانفتاح على مقتضيات النهضة والتقدم. ومن دون هذا التفتح المتحرّك، تذبل الأصالة وتنعدم، عملياً، وتبقى مجرّد عبء ثقيل يعرقل مسيرة المجتمع.
ولهذا فإننا نتفق مع الفكرة القائلة: إن الأصالة هي القاعدة التي يقوم عليها التجديد، وتنعكس الهوية الخاصة والعامة في تطورها. وبدون أصالة، من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، على (الأنا) أن ينسجم مع ال(نحن).
فأصالة، بهذا المعنى، لا تتعارض مع معاصرة، بل تتكامل وإياها، انها تعطي للتعصير معالم وتجارب وعبراً، فتثريه، وبالتالي تعين في توجيهه وجهة أكثر التصاقاً بواقع هذا المجتمع أو ذاك، تبعاً لأوضاعه التاريخية والجغرافية والاقتصادية.
لذلك، لا نجاري طائفة من المفكرين العرب تقدم لنا الغرب، بكل ماله من مزايا ومساوئ، كنموذج أو حد يجب نندمج فيه كي نتقدم ونتطور وننجو، ولا نجاة عن غير ذلك الطريق(7).
وهنا يبرز السؤال المنطقي التالي: إذا كان الغرب قد بنى ثقافاته المعاصرة على أصالته، فلماذا يريدنا بعض المثقفين العرب أن نقفز من لا شيء إلى حضارة القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين.. بعد أن نقبر أصالتنا ونبقى بلا زاد تاريخي ؟!
إنهم يدعوننا إلى التحزب للاتجاهات والنظريات الليبرالية الغربية، متجاهلين التجارب التيارات الفكرية والتطبيقية الأخرى، بما فيها تلك التيارات والمدارس النقدية، المنفتحة على أنماط مستجدة من العلوم الإنسانية والاجتماعية واللسانية في الشرق والغرب بآن معاً.
ونختم بالقول: إذا كانت المعاصرة انتفاضة ضد التقليد والجمود، فإن كل مثقف واع سيباركها، أما إذا أريد منها نفض اليدين من الأصالة والهوية الثقافية والقيمية والأخلاقية، وتحطيم الشخصية العربية-الإسلامية-، وسلخها عن أرضها وذاتها ومقومات وجودها، فإن مثل هذا التوجه الاغترابي لا بدّ أن يرفض ويقاوم بوعي ومعرفة وخطاب عقلاني ومنطقي متوازن، يقوم على تقديم البدائل الفكرية والواقعية والعملية، ولا يكتفي بالرفض وردود الفعل، والانكفاء السلبي على الذات..
ماهية التراث
كثيراً ما أجد نفسي أحيل في كتاباتي إلى التراث باعتباره المكون الأساسي في بنيتنا الثقافية والفكرية والنفسية، وعينا ذلك أو لم نعه. هذه الإحالات تضعني وجهاً لوجه مع أسئلة القراء عما أعنيه بمفردة "التراث" تحديداً. عندما سألني أحد الأصدقاء المسكونين بالشأن الثقافي عن تعريفي لكلمة "التراث" وما أقصده بها، وجدتني أقف كثيراً أمام هذا السؤال لأسترجع بوعي ما أعنيه بهذه الكلمة.
لم يكن هذا السؤال على الرغم من بساطته الظاهرية سهلاً، بل كان سؤالاً صعباً ومحفزاً على البحث والتفكير والتحليل. فالبحث في مفهوم التراث يأخذ منحى أكثر وعورة حين ننتقل به من مجرد التعريف إلى القراءة والتأويل. إذ ليس هناك إجماع أو نظرة شاملة تحدد ماهية التراث (أي تراث) وكيفية قراءته قراءة خلاّقة تصل ماضي الأمة بحاضرها.
في الحقيقة، لم أجد تعريفاً جامعاً شاملاً للتراث يمكن أن يكون معينا لنا في تحديد مفهوم التراث. فالتراث، على الرغم من اعتقادنا المبدئي، أي في الوعي العربي المعاصر، بأننا نعرف ما يشير إليه، إلا أن الوصول إلى تعريف محدد له ومن ثم إحالة ما يرد من نقاش حوله إلى ذلك التعريف ليس سهلاً. فالتراث كما نستخدمه في الوعي العربي المعاصر يشير إلى مجمل الموروث الفكري والثقافي. كما يستخدم مفهوم التراث ليشير، وبصورة أكثر تبسيطاً، إلى ما ورثناه من إرث مادي يتجسد في الفنون والصناعات. ولكن هذا التراث، بمعنى مجمل الموروث الفكري والثقافي، يبطّن في الوقت ذاته بالكثير من الوجدانية والأيديولوجية بالإضافة إلى الجوانب المعرفية، وذلك ما لم يحل إليه مفهوم التراث كما كان يستخدم قديماً.
ومن منظوري الشخصي، يضم التراث جميع النصوص المدونة وغير المدونة التي أثَّرت فينا وفي بناء فكرنا وذهنيتنا. والنص غير المدون يضيف تعقيداً آخر للتعريف، إذ إن الفكر ما زال يتعامل مع النصوص المدونة فقط في الوقت الذي لا يلتفت فيه إلى النصوص غير المدونة إلا قليلاً. والنصوص غير المدونة هي الواقع الذي نعيشه، وهي جزء من التراث بالرغم من أنه ليس نصاً مدوناً. وهذا يحيلنا إلى فكرة أن النص ليس بالضرورة هو النص المدون، بل يمكن أن يكون النص هو منشأ النص، أي الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي ينشأ من خلاله النص. وبالتالي فإن الواقع، بمعنى اللحظة الحاضرة بكل أبعادها، هو أيضاً جزء من التراث في استمراريته وتراكميته.
و تنحدر كلمة التراث في اللغة من الجذر "ورث" ويعني ما يتركه لنا الماضون من الآباء والأجداد من مال وحسَب. فالتراث بذلك يضم جانبين، الأول مادي والثاني معنوي. ولا شك أننا اليوم توسعنا في استبطان الجانب المعنوي بحيث أصبح هو الدلالة الأولى في وعينا بمفهوم التراث. ومن الطريف الإشارة إلى أن لفظ "التراث" يحمل معنى مختلفاً بل وقد يكون مضاداً مع لفظة مرادفة له في الاصطلاح القديم وهي "الميراث". فالأولى "التراث" تشير إلى ما هو مشترك بين مجموعة من الناس (العرب والمسلمين مثلا أو الأوربيين) بينما الثانية "الميراث" تشير إلى ما هو خاص أي التركة التي توزع على الورثة، أي نصيب كل فرد فيها. إن استجلاء معنى التراث من حيث الدلالة اللغوية من جهة والواقع التاريخي من جهة أخرى مهم أيضاً للوصول إلى إطار نحدد من خلاله موقفنا من التراث في تعالقاته المتشعبة مع الكثير من المفاهيم الأخرى مثل الحداثة والمعاصرة والتاريخ.
و بالعودة إلى المفهوم الأكثر أهمية، ألا وهو قراءة التراث، أراني أتفق ومحمد عابد الجابري في أن الحداثة لا تعني رفض التراث ولا القطيعة مع الماضي بقدر ما تعني الارتفاع بطريقة التعامل مع التراث إلى مستوى ما نسميه بالمعاصرة، أي مواكبة التقدم الحاصل على الصعيد العالمي. وبداهة لا يمكن القطيعة مع التراث، حتى وإن أردنا ذلك، إذ إن التراث، كما يشير برهان غليون، يتحدد بكونه ذاكرة الأمم والشعوب ومرآة تاريخها أي مستودع خبرتها التاريخية فهو "الرأسمال الخاص الذي تملكه كل جماعة والذي يتركه لها الأجداد للتعامل مع التاريخ. فهو إذن جزء من التركيبة الذهنية التي تنشأ وتتطور مع تطور الفرد وفكره". هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية، لا يقتصر التراث على المنتج القديم فحسب، أي إن التراث ليس مجرد التراث الماضي، وإنما يرتبط أشد الارتباط بالحاضر ومنتجه المادي والفكري. من هنا يمكن الكلام أيضاً عن تراث الحداثة، وعن تراث الحضارة المعاصرة، وعن التراث النقدي الحديث، وهلم جرا. ومن هنا يتأكد التفاعل الخلاق بين القديم والحديث في التراث، ويصبح مصير الأمم رهنا بمقدرتها على أن تجعل من تراثها هذا رأسمال قابل للتوظيف في عمليات التجديد والتحضر الكبرى.
و في ذات الإطار، يؤكد حسن حنفي أن التراث أهم مكون للثقافة، والثقافة أهم مكون للسلوك. إلا أننا، وبسبب كوننا مجتمعات تراثية، لم نفصل بعد بين القديم والحديث، فمازال القديم حياً في الحديث، بينما فصل الغرب في عصر النهضة بينهما وبدأ في صياغة معايير جديدة للحديث تتفق مع العقل والطبيعة ومع التطور في احتياجات المجتمع، مثل حقوق الإنسان والعقد الاجتماعي والمجتمع المدني. ويضيف حسن حنفي إلى ذلك التعقيد بتنبيهنا إلى أن التراث تراثان: تراث السلطة وتراث المعارضة، والذي ورثناه هو تراث السلطة متحداً بتراث الدولة، أما تراث المعارضة فاختفى في أغلبه. ولعل أحد أسباب أزمة التطور في مجتمعاتنا الحالية هي أن محاولات التجديد هذه تجد نفسها مضطرة للاختيار بين منطلقات حديثة لم تخلق بعد صدى في وجدان الناس وبين تراث يمثل في أغلبه تراث السلطات المنتصرة عبر الحقب التاريخية
الثرات عند حسين مروة
لا تزال قضايا ومسائل جوهرية تمثل مدار الإشكاليات الفكرية والمعرفية العربية الحديثة، وفي مقدمة ذلك سؤال التراث العربي ومناهج التعامل معه والاقتراب منه، إذ تتعدد الرؤى وتتنوع الأدوات. ولعل أبرز المحاولات والمقاربات المعاصرة هي مقاربة محمد عابد الجابري وحسين مروّة والطيب تيزيني وحسن حنفي ومحمود شاكر وطه عبد الرحمن وعدد من المستشرقين الغربيين والروس.
في هذا السياق يناقش الزميل موسى برهومة في كتابه (وأطروحته للماجستير) "التراث العربي والعقل المادي" مقاربة حسين مروة للتراث الإسلامي وبالتحديد في كتابه الجدلي المعروف "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية"، وتكمن أهمية دراسة مروّة أنها لا تقف عند حدود تطبيق المنهج المادي الجدلي على جزء من التراث العربي، بل هي محاولة لإخضاع التراث العربي بأسره لهذا المنهج من خلال الكشف عن الشروط الاجتماعية والاقتصادية والصراعات الطبقية المتحكمة في عملية الإنتاج المعرفي وأثرها على المفكر والفيلسوف نفسه ابتداء، ثم الكشف عن العناصر المادية والعقلية في التراث الذي تبتعد به عما يراه مروّة والفكر المادي الشيوعي عناصر وبنى ميثولوجية أسطورية ثاوية في ثنايا الفلسفة العربية والإسلامية الوسيطة.
وعلى الرغم من الإعجاب والتقدير الكبير الذي يكنه الباحث (برهومة) للمفكر (مروّة) فإن هذا لم يمنعه من الاحتكام إلى عقله النقدي في التعامل مع منهج مروة المادي، ولم يتردد برهومة في تقرير القول بأن مروة يجنح إلى القسر المنهجي والعسف الأيدلوجي في تعامله مع التراث العربي والإسلامي. ولعل ملاحظة برهومة تسجيل إيجابي لرؤية عدد من المثقفين والباحثين العرب في نقد منهج مروة المادي ورفضه بداعي التخوف من ضياع سؤال المعرفة الموضوعية تحت وطأة الحماس الأيدلوجي والحرص على توظيف التراث في إطار حركة التحرر والصراعات الطبقية. وعلى الرغم من إقرار العديد من المثقفين والمفكرين العرب بأهمية مساهمة التراث في إنجاز حركة تنويرية عربية تحررية إلا أن هذا لا يعني اجتراح نتائج خارج سياق الدلالات الحقيقية للتراث، بمعنى آخر تحميل التراث ما لا يحتمل من قراءات وإشارات.
وإذا كان هناك العديد من الاعتراضات والتحفظات على منهج مروّة، فإن هناك في المقابل العديد من الباحثين والكتاب والمثقفين العرب يرون أنّ مجهود مروّة وإن احتوى على نتائج وخلاصات لا يتفقون معها، إلا أنه مجهود فريد ونادر في محاولة قراءة التراث العربي في سياق منهج واحد واضح وهو المنهج المادي، فمروة لم يقم بـ"مذبحة للتراث" ولم يعزله عن سياقاته التاريخية والمادية والطبقية وحاول استنطاق البعد المسكوت عنه في كثير من الأحيان في هذا التراث ألا وهو البعد المادي الذي يعلي من شأن النزعة العقلية والمادية والسببية ويربط الحركة بشروطها الموضوعية ويعزلها عن التفكير الغيبي الذي يحكم كثيرا من القراءات الإسلامية للتراث ونتاجه.
وفي الوقت الذي تثير فيه قراءة مروّة الجدل الفكري والمعرفي العربي، فإن التجربة الشخصية والعملية لمروة وانتقاله من العمامة إلى الشيوعية تثير بذاتها العديد من الأحاديث والقضايا وتسلط الضوء على تجربة فكرية وروحية غنية تمكّن برهومة بأسلوب شيق ومختصر أن يلم بأبعادها الرئيسة وتحولاتها وتساؤلاتها المحورية.
فحسين مروة ابن قرية (حداثا) في جنوب لبنان، ولد عام 1910، والده عالم دين شيعي حلم منذ البداية بأن يحمل ابنه خلافته في العلم الشرعي. بدأ بتدريس ابنه العلوم الدينية منذ الصغر، ثم هاجر الإبن (حسين) إلى النجف لاستكمال علومه الشرعية عام 1924، لكن "المرحلة النجفية" لم تستسلم ليقينية المذاهب الدينية وإجاباتها المعرفية فقد أخذت الأسئلة المعرفية تستفز مروة وأخذ ينوع في قراءاته ودراساته، وهي الفترة التي يصفها مروّة نفسه بالخصب المعرفي، وفي تلك الفترة بدأ يتعرف على الفكر اليساري العربي وعلى الاشتراكية والشيوعية ومن ثم على كتابات ماركس ولينين، لكن تأثره الكبير كان بكتابات إسماعيل مظهر وشبلي شميل وقد كان لهما الأثر البالغ في التحولات الفكرية والمعرفية والسياسية لدى مروة.
لم يفكر مروّة بعد نهاية دراسته العلمية (في النجف) واستقرار تحوله الفكري إلى الشيوعية بمغادرة العراق، والعودة إلى لبنان، فقرر البقاء والتدريس لطلاب المدارس العراقية، والمشاركة في الحياة الصحفية والسياسية، وقد شهد في العراق الحرب العالمية الثانية، وشارك فيما عرف بالوثبة الوطنية (ردا على معاهدة بورتسموث) وعلى الرغم أن مروّة لم يدخل الحزب الشيوعي آنذاك إلا أنه شارك بمقالاته وأفكاره مما أدى إلى نفيه إلى لبنان.
في لبنان انخرط مروّة في الحزب الشيوعي وساهم بانبثاق مجلة "الثقافة الوطنية" عام 1951 وبتأسيس هذه المجلة أصبح مروّة عضوا في الحزب الشيوعي، ونشر في هذه المجلة العديد من المقالات من بينها بعض المقالات المرتبطة بقراءة التراث إلى أن صدر تكليف رسمي له من قبل الحزب الشيوعي بكتابة "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية"، فغادر إلى موسكو، ومكث حوالي عشرة أعوام، حتى أنجز أطروحته عام 1978. هذا الكتاب الذي أثار جدلا ثقافيا ومعرفيا واسعا وأدى إلى مقتل صاحبه قبل أن يكمل مشروعه مكتفيا بتقديم مجلدين للمكتبة العربية.
يبتعد مروّة في دراسته للتراث العربي عن المنهج التجزيئي الذي يتناول المساهمات الفردية بعيدا عن الشروط الاجتماعية والاقتصادية والبيئة المعرفية، إذ يقوم بمسح أولي للواقع الاقتصادي والاجتماعي للعصر الوسيط، منذ ما قبل نشوء النظر الفلسفي في عصور الجاهلية الأولى، وحتى استقرار الفلسفة على أيدي الرازي والفارابي وابن سينا وغيرهم، مرورا بملامح التفكير الفلسفي الجنيني على يد الشيعة والخوارج والقدرية والجهمية والصراع المعتزلي- الأشعري، وصولا إلى تبلور علم الكلام والتصوف بمذاهبه الفكرية والروحية، وظهور أخوان الصفا.
يلتقط مروة العديد من القضايا والجذور العقلية والمادية في حركة التشيع وبروز الأفكار الجبرية والقدرية وما تخلل ذلك من حوار وصراع فكري ذي أبعاد سياسية ساهم في ارتقاء حركة الفكر العربي نحو مستويات من النظر العقلي والفلسفي، ووضع الأسس الأولى للحركة العقلية في مجرى تطور الفلسفة العربية.
المعتزلة وأصولهم الفكرية محطة مهمة وخصبة لدى مروة ودارسي التراث العربي والإسلامي في الجدل حول النزعات العقلية والمادية في التراث العربي؛ ففي الوقت الذي يرى فيه مروة أن العلاّف ثأئر ينتمي إلى المذهب المثالي فإنه يقف عند ما يعتبره مؤشرات على النزعة المادية عند النظّام ويرى أن النظّام ينفي صفة الإرادة عن الله، لكن النظام يتحايل على التعقيد الناجم عن هذه النتيجة إلى القول ان الخلق حصل مرة واحدة ولم يتعدد فينحصر نفي الإرادة عن الله في فعل واحد ألا وهو الخلق الأول، ويبني مروة على ذلك أن فكر النظّام مبني على نزعة مادية متقدمة تحرر الإرادة الإنسانية من أي سلطة ميتافيزيقية.
لكن إعجاب مروة بالنظّام وبمذهب المعتزلة خاصة مبدأ العدل والعلية لا يقابله احتفاء مماثل من العديد من المفكرين والمثقفين العرب، وعلى الرغم من الرؤية المختلفة للمفكر والباحث فهمي جدعان لمفهوم المحنة وحيثياتها التاريخية إلا أنه يثبت حادثة جلد الإمام أحمد بن حنبل. ويتساءل العديد من الباحثين العرب عن مصداقية إيمان المعتزلة بالحرية وقد حاولوا من خلال تحالفهم مع المأمون فرض أرائهم ومواقفهم الفكرية بالضرب والبطش.
أما التصوف فيتناوله مروّة بصفته فلسفة قوامها العقل والمنطق وليس الذوق والحس، ويتلمس النزعة المادية عند المعتزلة من خلال أخذهم بالظاهر والباطن وبالتأويل الذي حلّ لهم الإشكال عن قولهم بثنائية الحقيقة والشريعة، وهو ما نفح نظرية المعرفة الصوفية بعنصر ثوري، لكن مروة يعترف أن ثورية التحدي والرفض التي شكلتها الصوفية للنظام القائم هي بمثابة الثورية الميتة لقصورها وعجزها عن التحول إلى ثورية فاعلة، أي إلى قوة مادية تحقق رفضها الثوري.
ويتناول مروة جماعة اخوان الصفا إذ يرى أن الخطوة بين الصوفية واخوان الصفا هي خطوة باتجاه تحديد أعمق للنزعات المادية التي يرتبط تشكلها بتطور النظر الفلسفي وارتقائه التجريدي. كما يبحث مروة في تراث العديد من الفلاسفة كالكندي والفارابي والرازي وابن سينا عن النزعات المادية والعقلية في التراث العربي ليقدم في النهاية دراسة موسوعية كبيرة تشتمل على قراءة معرفية أيدلوجية شاملة لتتبع النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية.
على الرغم من الانتقادات والاختلافات الواسعة مع مقاربة مروة إلا أنها بلا شك إضافة نوعية للمكتبة العربية، ومجهود كبير واسع حمل عناء البحث والقراءة والتفكير قرابة عشر سنوات، وهي الإضافة والمساهمة التي يلقي الضوء عليها بشكل جيد الزميل موسى برهومة في نهاية أطروحته.
بقي أن نقول ان أطروحة برهومة لها العديد من الميزات التي كفانا الحديث عنها المفكر الأردني العربي الكبير فهمي جدعان في تقديمه لكتاب برهومة، وهذا التقديم وما احتواه هو شهادة بحد ذاته، لكن ما يمكن أن نضيفه هنا هو الاعتراف باللغة الرشيقة الممتعة السهلة التي تمكن خلالها الزميل برهومة من تناول موضوع فلسفي معقد ومتشعب، بما في ذلك إدارة حوار ذكي لمّاح بين مروّة ورؤية العديد من الباحثين العرب اللامعين لهذه المقاربة وأبرزهم الجابري وعلي حرب والطرابيشي وغيرهم.
التراث العربي والعقل المادي دراسة في فكر حسين مروّة
الثرات عند حسن حنفى
تتجلى أزمة الموقف الحضاري في موقفنا من كل بُعد فيه، سواء كان التراث القديم أو التراث الغربي أو الواقع المعاش للناس.
1_ فقد نظرنا إلى التراث القديم نظرة المستشرقين وكأننا متفرّجون عليه ولسنا أصحابه، نعيب عليه قصوره وكأننا لسنا مسؤولين عنه. نكرّر ما قيل ونجمع بين أجزائه، وأقصى ما نفعله نشر المخطوطات دون تغيير أو تطوير أو إعادة اختيار. في حين أنّ التراث القديم ليس منفصلا عنّا، بل هو جزء منّا، ونحن جزء منه، كوّننا وأعطانا تصوّراتنا للعالم، وأمدّنا بموجهات للسلوك. نحن مسؤولون عنه بقراءتنا له مثل مسؤولية القدماء الذين أبدعوه. كما تركناه بلا موقف منّا إزاءه في القراءة والتفسير والفهم والتأويل. نكرّر الاختيارات القديمة، والمذاهب السالفة ولا نعرف كيف نشأت وأيّ أغراض خدمت. وبالرغم من تغيّر الظروف القديمة ونشأة ظروف جديدة تتطلّب اختيارات بديلة، فإننا نكرّر الاختيارات النمطية القديمة التي تعارض في أهدافها ومنطلقاتها الظروف الجديدة التي نعيشها اليوم وكأنّ التراث جسم ميت، وجثّة هامدة، ننقلها بلا واقع أو تاريخ أو حياة أو عصور أو أصحاب أو أهل، ومن ثمّ يخرج الطلاب من جامعاتنا وهم منفصلون عنه نفسيّاً يتصوّرونه "كتباً صفراء"، و"قيل وقال"، لا أمَل فيه، لا يثير قضيةً، ولا يقدّم حلاّ، فيتوجّهون إلى الثقافات المعاصرة حيث يجدون فيها أنفسهم فيزداد شعورهم بالقطيعة مع التراث القديم كلما ازداد "التغريب"، ممّا يجعل بعضهم يقوم بردّ فعلٍ على ذلك فيتمسّك بالقديم كلّه، ويرفض المعاصرة كلّها، فتنقسم الأمة إلى فريقين: فريق يرى صِلته بالتراث صِلة انقطاع ثم قطيعة، وفريق آخر يرى أن صلته بالتراث صلة اتصال ثُمّ وصال. الأول يرى في التراث كلّ شيء والثاني لا يرى في التراث أي شيء.
ولم ندرس علم أصول الفقه بأكمله وهو ما يعبر عن إبداع المسلمين وإحساسهم بالعالم ووضع مناهج الاستدلال بعيداً عن الإشراق، وأحكام منطق اللغة بعيداً عن الخطابة والجدل، ووضع شروط للتواتر والآحاد بعيداً عن الروايات الموضوعة التي تُلهب الخيال وتتحوّل إلى جزء من الأساطير الشعبية، ووضع أحكام للفعل ووصف مناهج للسلوك بعيداً عن الكبت والحرمان والازدواجية والنفاق. لم ندرس إبداع المسلمين في وضع مناهج للرواية لضبط النقل أو وضع أصول المنطق الحسي الذي يقوم على المشاهدة ومجرى العادات أو المنطق الأرسطي ووضع منطق بديل يقوم على قياس الغائب على الشاهِد، وقياس الأولى، وأن ما لا دليل عليه يجب نفيه. لم نعتنِ بكيفيّة نشأة العلوم الرياضية والطبيعية والإنسانية (اللغة والأدب والجغرافيا والتاريخ) التي أبدع فيها القدماء، ولم ندرسها إلاّ في إطار (تاريخ العلوم والجغرافيا والتاريخ) التي أبدع فيها القدماء، ولم ندرسها إلاّ في إطار "تاريخ العلوم عند العرب" كجزء من تاريخ العلم كما يفعل الغرب، ولم نحاول نحن معرفة الصّلة بين التوحيد والعقل، بين التوحيد والطبيعة، وكيف استطاع القدماء بعقلية التوحيد اكتشاف الرياضيات وقوانين الطبيعة. فوُضِعَ ابن رشد مع باقي الفلاسفة، وابن خلدون مع باقي المؤرخين دون إدراك للنوعية والاختيار.
2_ لقد فعلنا الشيء نفسه في التراث الغربي، فإذا درسنا الفلسفة الغربية فإننا ننتزعها من بيئتها وكأنّ ديكارت وكانط وهيجل وماركس ونيتشه وهوسرل وبرجسون وسارتر وميرلوبونتى وهيدجر نجوم لامعة نتأمّلها ونُعجَب بها بل ونحكم عليها، على صدقها أو بطلانها بحجج الذوق السليم أو العقل الصريح وربما أيضاً بالأخلاق الكريمة والقيم الفاضلة والنُظُم السياسية _ وأحياناً الاجتماعية القائمة_ والأعراف والتقاليد وكل الموروث القديم. ولمّا تشتت المذاهب وتباينت الآراء وقعت الحيرة في الاختيار؛ هذا مثاليّ، وذاك واقعيّ، وينشأ الخلاف بيننا. والصراع على المذاهب في ظاهره غربي وفي حقيقته يكشف عن موقف حضاري خاص بنا وهو أنّ المثالية وريث طبيعي للمحافظة والتقليد الديني، والواقعيّة هي التطوّر الطبيعي للدين المثالي والأكثر قدرة على الدفاع عن حياة الناس ومصالح الشعوب.
وفي حقيقة الأمر فإنّ المذاهب الغربية وليدة بيئتها، بل إنّ فكرة المذهب إنما نشأت بعد أن تمّت تعرية الواقع الأوروبي تماماً من أغطيته النظرية القديمة الموروثة من العصر الوسيط المسيحي الكنسي. وجاء عصر النهضة فأزاح كل الغطاءات النظرية الممكنة رافضاً الموروث باعتباره مصدراً للعلم الذي تحوّل إلى العقل والطبيعة.
للوعي الأوروبي إذن تطوّر وبناء. له بداية وتطور ونهاية، له ظروف تاريخية واجتماعية خاصة ممثلة في الرومانية القديمة، ومُعطى ديني خاصّ هو المسيحية، ونظام دينيّ خاصّ هو الكنيسة، وبناء ذهني خاصّ يقوم على التقسيم وأُحادية الطرف والتعارض بين عوامل الظاهرة الواحدة. وانّ الحديث عن عقليّات بدائية، أفريقية أو آسيوية هو في حقيقة الأمر إسقاط من العقلية الأوروبية على غيرها. فأين نحن من هذا كله؟
3_ وقد تعثّرت الفلسفة لدينا لأنّ البُعدَ الثالث في موقفنا الحضاري، وهو الموقف من الواقع، أُزيحَ جانباً وأُسقِط من الحساب. فتحوّلت الفلسفة لدينا إلى نقل، نقل عن القدماء أو نقل عن المُحدثين، وغاب التنظير المباشر للواقع. أصبحت الثقافة في جانب، والواقع في جانب آخر، ثقافة غريبة، وواقع غير مفهوم، مجردّ وعي صُوريّ بلا مادة. وقد يكون السبب في هذا الموقف هو وجود الغطاء النظري التقليدي للواقع، وهو الغطاء الذي يفسّر كلّ شيء، وبالتالي لم تنشأ الحاجة إلى التساؤل عنه أو البحث عن نظرية له. فالفكر ليس بضاعة، والمفكر ليس موظّفاً. الفكر رسالة، والمفكر صاحب قضية. وكادت صورة الأستاذ الذي يعيش من الفكر أن تصير صورة نمطيّة من خلال الإعارات أو الوظائف أو الكتب المقررة، وكادت تختفي صورة الأستاذ المفكّر الذي يعيش بالفكر، صاحب القضية، والقادر على اتخاذ الموقف. إن عدم التعوّد على المنهج الاجتماعي في دراسة الأفكار أو نشأتها وتكوينها من الوضع الاجتماعي قد يجعل الباحثين يستسهلون عرض الأفكار، أو التحدّث عن الظروف والبيئات في الفصول الأولى، وعن الأفكار والنظريات في الفصول التالية دون أن يكون هناك رابط بين هذه وتلك. وربما يكون السبب نقصاً في التكوين الذهني بالرغم من وجود كَمّ من المعلومات ونقص في الممارسة. فالذهن لم يمارس العلم، ولم يتعوّد على المنهج، ولم يعرف كيف نشأ، فاقتطف الثمرة دون الجذور، وحصل على النتيجة دون المقدّمة. كما تحوّلت الرسائل العلمية الجامعية إلى دراسات للماضي _لشخصية أو مذهب أو عصر _ يقلُّ فيها عنصر الإبداع، أي بناء المشكلة الفلسفية ابتداءً من الواقع، فلم يعد الطالب يبدع نصّاً فلسفياً بل صار مجرّد شارح للنصوص. هذا بالإضافة إلى الجوّ العام لإجهاض العقول، والخطط العامة المعدّة لذلك سواء من الداخل أو من الخارج. فليس في صالح الأنظمة القائمة أو المصالح الكبرى أن يبدع العقل الذي هو بطبيعته تمسُّكٌ بالحريات ودفاعٌ عن المصالح العامّة. وقد يتحوّل الإجهاض إلى إعدام إذا ما حاول أحد الأساتذة أو الطلاب الخروج على المألوف والتمسّك بحقه الطبيعي في البحث الحرّ. فإذا لم يقبل شيئاً على أنّه حقّ ان لم يكن مؤيّداً بالدليل اتُّهمَ بالإلحاد أو الشيوعية ويصبح شريداً متّهماً مطارداً لا وطن له، فلا يبقى له إلاّ الهجرة إلى الخارج ليتحوّل إلى مهني صِرف يضع همّه في العلم والإبداع العلمي، أو ليواصل المعارضة في الخارج والدفاع عن حقوق الأوطان والشعوب، أو الهجرة إلى الداخل همّاً وكَمَداً حتى يُصاب بالجنون، أو يعمل عن وعي تاريخي طويل، من خلال الحركات السريّة التي سرعان ما يتّم انكشافها فيصبح نزيل سجون.
إن حل أزمة الموقف الحضاري إنما يكون بإعادة النظر في هذه الأبعاد الثلاثة وأحكامها، وإعادة الاتزان إلى الوعي الحضاري القومي، وفرض الواقع نفسه، أي البُعد الثالث على البُعدين الحضاريين الأوّلين. حل أزمة الموقف الحضاري إذن في نقل الموقف من مستواه الخطابي إلى مستواه العلمي، وتحويل المواقف الإيمانية بالقديم أو الإنبهارية بالغرب أو الخياليّة بالنسبة إلى الواقع، إلى مواقف علمية حضارية تاريخية مُحكمة حتى ينشأ الفكر في مواقف اجتماعية وحضارية وتاريخيّة محدّدة، تكون بالتالي أرضاً للفلسفة وتربةً للفيلسوف.
.
ا
كتبها عبد الله في 03:17 صباحاً ::
أهلا،
ها أنذا أطرق بابكم مرة أخرى، ه>ه المرة من أجل دعوتكم للإطلاع على إدراجي الجديد: "سارق الزيت" و "ساركوزي" .
مدونة سراق الزيت
.
غبي
رائع!
استمتعت بقرائته.. هل تسمح لي يا أستاذ باقتباس بعض كلماتك؟!
دُمتَ بودٍ
الاسم: عبد الله
